بين أولويات الفرد وفرض النماذج!
واقع اليوم يفرض الكثير من التحديات والثغرات، وأبواب الدين وأنواع الواجبات وأساليب القيام بها تتعدد، ولكل إنسان قدرات واهتمامات وصفات شخصية تساعده في أمور دون أخرى، وهذا كله يفرض التنوع والاختلاف السائغ
إذا أضفنا لذلك وجود الخلاف في بعض المسائل الشرعية، واختلاف النظر في فهم الواقع وترتيب المصالح والمفاسد، سواء كان ذلك عند البعض سائغا أو غير سائغ، فهذا أيضا يفضي لتعدد النماذج والطرائق في مواجهة التحديات وسد الثغرات التي فتحت على المسلمين منذ زمن وتتزايد في هذا العصر
ومع هذا كله يحتاج الأمر لإدارة هذا الاختلاف، وهنا أيضا تختلف الأنظار وتتعدد النماذج، بدءا من تصنيف الخلاف على أنه انحراف أو اجتهاد، والحكم على المخالف، والنظر في الأصلح في طريقة التعامل معه وبيان حاله
وإذا أخذ الناظر في تحليل ذلك كله فلا بد أن يلاحظ التعقيد في العوامل المؤثرة فيه، ولا يصح أن يرده كله إلى عامل واحد دوما، ولا يصلح لمثل هذا المقام رجل المسألة الواحدة كما يقال أو حتى المنهمك في التخصص الواحد
وهذا الخلل ملاحظ في بعض التحليلات، فتوصيف المواقف يرجع لتصنيفات شرعية تراثية عند بعضهم، أو يرجع إلى أوصاف تتعلق بالاتجاهات الفكرية والفلسفات المعاصرة عند الآخر، أو ينطلق من تخصص إنساني معين وقراءة للواقع يطغى عليها هذا التخصص
يبدأ بعد هذا الخلل مع ضيق العطن ممارسة فرض النماذج، فإما أن تتبنى نموذجي في التحليل ثم في العمل والتفاعل مع الواقع، أو أسقط عليك ما عندي من قوالب جاهزة، بين تصنيف وتشخيص ووصم بالجبن وغير ذلك من المعائب
والذي يحتاجه الإنسان الفاعل في هذا الواقع المتشابك هو الهدوء والتأمل المستمر، ومحاولة النأي عن الانسياق وراء الانفعالات الآنية، وأن يسعى باستمرار للنضج والتأثير الموافق لمقاصد الشرع بعيدا عن الأسر للنماذج والقوالب
وأما المتابع الذي يتلقى في غالب حاله، فيحتاج للتمسك بالمحكمات، والاهتمام ببناء النفس علميا وتربيتها إيمانيا، ولا يدخل في صراعات وجدليات لا تنفعه ولا ينفع هو بالدخول فيها
ومن المهم أن نفهم أن تحديات أزمنة الفتن تفرض شيئا من التحير خاصة إذا أصر الإنسان على أن يكون له رأي في كل شيء ولم يرتب أولوياته ويعرف مكانه اللائق به في العلم والعمل، فليس من الحكمة أن يضع الإنسان نفسه في غير موضعها، غافلا عن غاية خلقه الأساسية وما تقتضيه من العمل لآخرته وفق مناهج الشرع وأولوياته
بصرنا الله بما ينفعنا وأعاننا على ما يرضاه منا، والحمد لله
أحدث التعليقات