من دلائل صدق نبوته ﷺ ما يظهر بالتفكر في أحواله، وهي كثيرة جدا..

ومن أعجبها ما يتعلق بمضمون دعوته، فإنها تضمنت أشياء لا يحتاجها من يريد جمع الناس عليه لينال زعامتهم، أو يريد أن يصلحهم بالكذب في دعوى النبوة، بل هي أشياء تأتي بنقيض مقصوده وتصعب عليه الوصول لغرضه لو كان كاذبا، كالدعوة للتوحيد والقتال عليه، ومفارقة الأوطان والأهل والعشيرة والولدان لأجله، والتكاليف المتضمنة للمشاق كالجهاد والحج والصلوات الخمس، والتفاصيل التشريعية التي تستلزم التعلم والتقيد بالأوامر التفصيلية ودفع الأموال في الزكاة، وغير ذلك مما قسم الناس عليه وقامت على أثره رحب الحرب الضروس بينه وبين أقرب الناس له

وقد أقام إلى وفاته يدعو لهذه الأشياء ولا يتنازل عنها ويتحمل الصعاب العظام لأجلها، ولو لم يكن متجردا لله مستسلما لأمره مبلغا ما أنزل كما أنزل، لم يحتج لكل هذا العناء والعداء الذي كاد يذهب بنفسه ونفوس من معه لولا حفظ الله له ليبلغ دينه سبحانه

ومن دلائل نبوته ﷺ ..

أن فنت قرون كل قرن مليء بأفذاذ من العلماء خرجت منهم ألوف من المؤلفات، ولم تصل بذلك العلوم الشرعية إلى نهاية لا مزيد بعدها من التبحر في اكتشاف درر هذا الدين وهداياته المتجددة للنفوس

كفى بهذه الحقيقة دلالة على أن هذا الميراث الواسع المتجدد الفياض لا يمكن أن يكون جاء به رجل واحد من علمه المحدود، فقد عجز عن الإحاطة به مجموع أولئك الرجال، فكيف يأتي به رجل واحد دون مدد من علم إلهي؟!

صلى الله عليه وسلم

ومن دلائل النبوة العظيمة ..

دليل تضمنه قوله تعالى : {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95)} [البقرة : 94-95]

قال الزجاج في معاني القرآن مبينا وجه الدليل :
” قيل لهـم هـذا لأنهم قالوا: {لن يدخل الجنة إلا مـن كـان هـوداً أو نصارى} وقالوا: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18]، فقيـل لـهـم: إن كنتم عند أنفسكم صـادقين فيما تدعون فتمنوا الموت، فإن من كان لا يشك في أنه صائر إلى الجنة، فالجنة عنده آثر إلى الدنيا، فإن كنتم صادقين فتمنوا الأثرة والفضل. وللنبي ﷺ وللمسلمين في هذه الآيـة أعظـم حجة وأظهـر آيـة وأدلة على الإسلام، وعلى صحة تثبيت رسالة النبي ﷺ لأنه قال لهم: تمنوا الموت، وأعلمهـم أنهـم لـن يتمنوه أبداً، فلم يتمنه منهم واحد لأنهم لو تمنوه لماتوا من ساعتهم، فالدليل على علمهم بأن أمر النبي ﷺ حق أنهم كفوا عن التمني ولـم يقـدم واحد منهم عليه، فيكون إقدامه دفعاً لقوله: «ولن يتمنوه أبدا»؛ أو يعيش بعد التمني فيكون قد رد ما جاء به النبي ﷺ فالحمد لله الذي أوضح الحق وبينه وقمع الباطل وأزهقه “

وفي القرآن إشارات كثيرة إلى أنواع من دلائل النبوة يتفطن لها المتدبر بتوفيق الله،

 فمن أعظم أغراض هذا القرآن أن يحتج ويهدي إلى هذا الحق العظيم وهو نبوة نبينا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم

يقول تعالى : {وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} [يونس : 43]

“ودل قوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ‏}‏ الآية، أن النظر إلى حالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهديه وأخلاقه وأعماله وما يدعو إليه من أعظم الأدلة على صدقه وصحة ما جاء به، وأنه يكفي البصير عن غيره من الأدلة‏”
ابن عاشور، التحرير والتنوير

تعد حماية البيت بحبس الفيل عنه من إرهاصات النبوة،

تعد حماية البيت بحبس الفيل عنه من إرهاصات النبوة، وقد وقعت عام ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت فيها العرب الأشعار، وذكرها القرآن وفي الناس من كان حاضرا تلك الواقعة..

وقد عد العرب ما جرى فضلا لقريش، ولكن الذي جرى بعد ذلك من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وقتل أكابرهم ممن أبى الإسلام، ثم إباحة مكة لنبيه ليدخلها فاتحا، يدل على أن ذلك لم يكن محض تفضيل لهم بغض النظر عن قضية النبوة وموقفهم منها، لذلك صار الفضل خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، ثم بقي لمن آمن منهم فضل خاص بأن جعلت الإمامة فيهم، وكان منهم أفضل هذه الأمة الخلفاء الراشدين

وثمة أمر جعله بعضهم شبهة، ويمكن أن يعد عند التحقيق مزيد إبراز لدلالة حادثة الفيل على النبوة، وذلك أن مكة اجتاحها منجنيق الحجاج واستباحتها القرامطة وقلعوا الحجر!

والجواب عن هذا بأن منع الفيل وجيش إبرهة كان فيه حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسلامته من جريان الرق عليه وإظهار لفضل قومه، وكل ذلك تمهيد لظهوره نبوته، خاصة مع ما جرى من تتابع حفظ الله له ونصره إياه حتى فتح بلده الحرام وظهر دينه على سائر الأنام

فظهر بالفرق بين التقديرين ماله صلى الله عليه وسلم من الخاصية، ولا يمنع ذلك أن الله تعالى يحوط بيته بحفظه وتسخيره بكل زمان ، ولكن الكلام في خصوصية الحفظ الذي حصل وظهوره وعظمته، ولله الحكمة البالغة في تقديره وتشريعه، وقد يكون من ذلك جريان بعض البلاء ليظهر ذلك الاختصاص، أو لغير ذلك من الحكم المتفقة مع سنة الابتلاء