السؤال:
هل يصح القول أن الله خالق أفعالنا ؟ وهل هذا لا ينافي مسألة أن لنا الخيار؟
هل يجوز القول أن الله لديه قدرة وعلم شامل بكل شيء لكن هناك حالات متعددة لا تتدخل فيها المشيئة الإلهية في القرار البشري وكيف نجمع بين اختيار العبد وأن كل شيء يقع تحت مشيئة الله عز وجل ؟

الجواب:

1️⃣ أولًا :
لا شك أنّنا وأفعالنا خلق لله جل وعلا، كما قال سبحانه : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} سورة الصافات، ولا شك كذلك أن مشيئة الله سبحانه وتعالى تشمل كل شئ، وهذا لا يُنافي أن للعبد فعل واختيار ومشيئة ولا يتعارض معه، وعدم التعارض يتضح بالآتي :

١- لا تعارض بين خلق الله لفعل العبد واختيار العبد لفعله وقيامه به ومحاسبته عليه؛ لأن جنس تأثير العبد في فعله ليس من جنس تأثير قدرة الله جل علاه فيه؛ فتأثير قدرة الله سبحانه وتعالى في فعل العبد يرجع لمعنى الخلق والإيجاد من العدم، وتأثير قدرة العبد في فعله داخل في معنى تأثير السبب في المُسبب ( أي: يرجع للعبد السبب والكسب والفعل المباشر) ، وهناك فرق بينهما، وكل منهما مؤثر في فعل العبد.
وما يؤثر فيه العبد هو فقط ما يقع تحت اختياره وإرادته ومن ثم مُحاسب عليه، فهو مُحاسب على كونه سببًا في الفعل لا خالقًا له ، ولذا لا نجد السلف يقولون ( الله فاعل أفعال العباد ) حاشاه ،وإنما ( الله خالق أفعال العباد ).

✍? وفي توضيح هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله في شفاء العليل :
” والصواب أن يُقال تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد خلق له القدرة والداعي إلى فعله فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب إلى مسببه ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق “

” وأسهل الأفعال رفع العين لرؤية الشيء فهب أن فتح العين فعل العبد إلا أنه لا يستقل بالإدراك فإن تمام الإدراك موقوف على خلق الدرك وكونه قابلا للرؤية وخلق آلة الإدراك وسلامتها وصرف الموانع عنها فما تتوقف عليه الرؤية من الأسباب والشروط التي لا تدخل تحت مقدور العبد أضعاف أضعاف ما يقدر عليه من تقليب حدقته نحو المرئي”

 

٢- أما عدم التعارض بين المشيئتين فيرجع إلى كون الله عز وجل بمشيئته أذن للإنسان أن يكون له مشيئة واختيار حر؛ فحرية الإنسان واختياره ليست قهرًا على المولى حاشاه وإنما هي بإذن الله ومشيئته، وإن شاء نزعها منه وإن شاء تركها له، فمن هنا لا يخرج شيئًا عن مشيئة الله ولا يقع شيئًا إلا بإذنه، وهذا مصداق قوله تعالى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } فأثبتت الآية المشيئتين ، مشيئة العبد ومشيئة الله جل علاه .

——————————

2️⃣ ثانيًا :
ولا يمتنع عقلا أن يكون الله سبحانه بعظيم قدرته خلقنا وخلق لنا هذه الإرادات, مع كونها تابعا لإرادته الكونية ولا تخرج عنها، ولا يمتنع كذلك اجتماع كون الفعل ينشئ عن إرادة الإنسان وقدرته وكونه من خلق الله في نفس الوقت ، وهذا قد يتحيّر في فهمه بعض الناس، لكن لا يعني ذلك أنّه مستحيل, فهناك فرق جلي بين المحيّر والمستحيل، وكل عاقل يدرك ذلك, فلا ينبغي أن نعامل المحير معاملة المستحيل، ونفر منه وننكره لأجل ذلك، وإلا كنا نهرب من المحير إلى المستحيل؛ لأن الهروب من هذا معناه أننا نهرب إلى أحد أمور كلها مستحيلة :

أ- إنكار نفوذ إرادة الله.
وهذا مستحيل؛ لأنه يقدح في كماله سبحانه وتعالى ويُخالف النصوص الشرعيّة التي نصت على هذا.

ب- إنكار إرادتنا، وهذا ممتنع من عدة نواحٍ :
▪️من الناحية الحسية والفطرية.
فنحن نعلم ضرورة من أنفسنا أنّ أفعالنا الإرادية تقع باختيارنا، ونفرّق بينها وبين ما يقع بغير إرادة كنبض القلب ونحوه ، ونفرق بين الحالة التى يكون فيها الإنسان مُكره بسبب مرض أو غير ذلك وبين الحالة العادية ، وهذا معلوم بالفطرة والحس ونشعر به ضرورة.

▪️ من الناحية العقلية والواقع.
لأن القول بالجبر لا بد أن ينطبق على كل أفعال الإنسان الدنيوية والشرعيّة، ولازم هذا الأمر ممتنع عقلا وواقعًا، فلا يقبل أحد من شخص أن يبرر أفعاله ويحتج بالجبر على السرقة مثلا فيفلت من العقاب ! هذا لا يُقبل منه عقلا وممتنع بين البشر! ولا فرق بين الأعمال الدنيوية والدينية.

▪️من الناحية الشرعيّة.
لتعدد الأدلة والنصوص الشرعيّة التى تثبت أن للإنسان إرادة واختيار، وأنه مُحاسب على فعله، وما كان الله عز وجل ليجازي العبد على شيء أجبره عليه وليس للعبد اختيار فيه؛ بل أسقط الله سبحانه وتعالى العقوبة على المُكره حتى لو وقع في الشرك ! وهذا يؤكد أن الإنسان ليس مجبرا وإنما له فعل باختياره يُحاسب عليه .

الطارق | تعزيز اليقين ورد الشبهات, [05.10.20 05:49]
ج- الفرار من مسألة الخلق كلها وجحد الله تعالى كما يفعل الملاحدة، فهذا أشد استحالة ومناقضة للعقل .

 

فوجب اعتقاد ما دل عليه العقل والنقل من اجتماع الإرادتين وتبعية إرادة الإنسان لإرادة الله، وإن وجد بعض الناس ذلك محيراً، فالدليل إذا صحّ ثبت مدلوله، بغض النظر عن كونه محيراً، وليعتبر ذلك الإنسان بثبوت الدليل بوجود الله تعالى وكماله في صفاته، مع كوننا لا نحيط به علماً ولا ندرك كيفيات صفاته، وكذلك في العلوم الدنيوية تثبت أشياء كثيرة بالأدلة مع وجود تحير كبير في فهم طبيعتها وآليات عملها وغير ذلك.

——————————–

3️⃣ ثالثًا : أما القول بأن الله لديه قدرة وعلم شامل بكل شيء, فهذا لا شك فيه، وأما وجود حالات لا تتدخل فيها المشيئة الالهية في القرار البشري، فهذا فيه إجمال، فإن أراد السائل أن البشر يقرر ويفعل ضد إرادة الله الكونية، فهذا باطل، فإنه لا يحدث شيء في الوجود إلا بإذن الله، وأما إن أراد السائل أنّه قد يخلّي بينه وبين ما أراد وما فعل كونا, وإن كان سبحانه يكرهه شرعا، فهذا صحيح وهو ما دلت عليه النصوص
من أن إرادة الله نوعان: كونية وشرعية .

https://dorar.net/aqadia/3065

والله أعلم