السؤال :
بماذا أرد على صديقتي التي تستنكر قتل المرتد؟
وهل هناك شروط توجب قتله؟ بمعنى هل هناك حالات لا يجب فيها القتل؟
وشكرا جزيلا

الجواب:

أولا: لا تضعوا على أنفسكم عبئ الرد المحكم, ثم تدخلون في مرحلة لوم للنفس ومشاعر سلبية بسبب ذلك, فهذه المواضيع تخصصية وتحتاج لخلفيات معرفية معينة مع مهارات نقدية وحوارية, فطبيعي أن توجد صعوبة أحيانا في التصدي لها من غير المتخصص, بل قد يوقع نفسه هو في إشكالات نظرا للثغرات التي عنده.

ثانيا: استنكار قتل المرتد يرجع لخلفيات مسبقة عند المستنكر, وهي خلفيات متعددة, بعضها يرجع للانبهار بالمدنية الغربية وما تشتمل عليه من فلسفات تعتبر الإنسان هو مركز الوجود, وتهمش وجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته وحقه من نظرتها للأمور, وفي ظل هذا التصور يبدو طبيعيا لمن يتأمل الحال أن يقع هذا الاستنكار, بل سيقع الاستنكار لأي طرح حول عقوبة المرتد بالقتل أو بغيره, وأكثر من ذلك ستستنكر أي أحكام شرعية فيها إلزام للإنسان بناء على الدين. فالحاصل أننا نحتاج لفهم هذه الخلفيات حتى نعرف سبب الاستنكار وعمقه في شعور إنسان اليوم الذي يتعرض للضخ الثقافي والإعلامي المبني على تلك الخلفيات, وبناء عليه نحتاج لنقد عدم معيارية تلك الفلسفات وأنها لا تستند لمعيار حقيقي عقلي يمكن أن تبني عليه الانتقادات, بينما في المقابل أحكام الدين مبرهنة مبنية على أسس عقلية ترتبط بسبب وجود الإنسان وغاية خلقه والوحي الذي أنزله من خلقه والحكم الذي تضمنه وهو سبحانه المستحق للحكم, فمن يبني الأحكام على ذلك هو صاحب الخلفية الصحيحة المبرهنة المستقيمة مع العقل الصحيح, وهو الذي يملك الرؤية الصحيحة للوجود وغايته, ويزن الأمور بشكل متسق مع ذلك.

ثالثا: قتل المرتد مبني على تعظيم حق الله تعالى, وأن المرتد بلغ أعظم درجات الجريمة المتعلقة بالإخلال بالدين, وهو أحد الضرورات الكبرى في الشريعة بل أكبرها, ومن هنا يفهم هذا الحكم وتفهم خلفيته, مع كون هذا المرتد لا يقتل حتى تتحقق شروط تجعل القضية أمامنا واضحة من ناحية عظم الجرم وصدوره عن معاندة وإصرار, فالمرتد لا يقتل إلا إذا أظهر ردته وأصر عليها بعد الاستتابة وإعطائه الفرصة ليعرف الحق وتنكشف شبهته, ولا شك أن هذا يكشف عن معاندة وإصرار على الجرم.

وبمزيد من التأمل يمكن ملاحظة حكم أخرى في عقوبة المرتد, مثل تمثيل الردة لتمرد على النظام السياسي والاجتماعي, لأن الإسلام ليس دينا فرديا محضا, بل هو نظام حكم واجتماع ومنظومة حياة كاملة, فالمرتد يعلن بطلانها ويتسبب في تفكيكها, بداية من علاقاته الأسرية حيث يتسبب في فسخ عقد النكاح, ومرورا بسقوط ولايته على من يعول, ثم بتمرده على النظام العام وسعيه في رد الناس عن دينهم بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر بلسان حاله أنه جرب الدين ووجده باطلا

رابعا: نقول لمن انصرف عن تعظيم حق الله وبناء الحياة العامة عليه: أنت لم تترك التعظيم والخضوع مطلقا, بل انتقلت من تعظيم وخضوع مبرهن متفق مع العقل منسجم مع الفطرة, إلى تعظيم وخضوع غير مبرهن, لأنك أنت وغيرك ممن يستنكرون عقوبة الردة، لا يخلو حالكم من اتخاذ أشياء بشرية محلا للتعظيم والخضوع, فتجعلون بدلا من الخضوع لله الخضوع للنظام أيا كان, وتعتبرون من خرج عن النظام خائنا مستحقا للعقاب, فلماذا تكيلون بمكيالين, بل تجعلون غير المبرهن أولى من المبرهن في ذلك.