شتان بين منهجين :
▪️منهج من يرى عناية الله تعالى بهذه الأمة وحفظه دينها وتسخيره لذلك العلماء وعصمته لمجموعهم من الضلالة، وعلى أثر ذلك يعتني بتراث المسلمين ويستفيد منه، وإن تخلل بعضه خلل وأمور دخيلة لم تطبق عليها الأمة، فالأمة لم يزل فيها خيرية على خطى سلفها، ولم تزل العلوم تزدهر بجهود متصلة في كل زمان، وفي مساحة العذر مع بيان الخطأ متسع عن ضيق الاطراح ودفن الصواب
▪️ ومنهج يهدم تراث المسلمين لقرون بالطعن والإسقاط لعلمائهم والتزهيد في علومهم، متذرعا بالاكتفاء بعلوم السلف وكأنها علوم قاصرة ظهرت في حقبة قديمة واحترقت، ويدعو للانكباب على ما وجد في تلك الحقبة دون نظر لاستقراء وفهم العلماء المحققين له، ودون نظر لامتداداته في جهود العلماء المتبعين لهم بإحسان
فهذا الاخير منهج جدير بالاطراح، ولو جاء من مدعي عناية بعلم السلف ومنهجهم، فما كل من ادعى أمرا صح له ادعاؤه
ومن العجب الذي رأيته في كلام بعض هؤلاء الترويج لنظرية مؤامرة تاريخية لتفسير رواج علم بعض العلماء الذين وقعوا في زلات لا يتابعون عليها، فيدعون أن السبب هو أن السلطة كانت بيد المذهب الفلاني الفقهي أو العقدي، وبذلك يظنون أنهم يطرحون الثناء عليهم من الكافة فيما أصابوا فيه ونفعوا به الأمة، وهل هذا إلا نظير للطرح الحداثي عن تأثر كبار المحدثين بمثل هذا !
فمثل هذا التنظير والخيال الواسع يفتح باب الطعن حتى في السلف
منشورات سابقة عن هذا الانحراف :
https://t.me/ttangawi/1592
https://t.me/ttangawi/1595
https://t.me/ttangawi/1596
https://t.me/ttangawi/1601
https://t.me/ttangawi/1603
بعض الإيضاحات تتعلق بما سبق:
1/ تركيزي في المنشور كان على جانب الهدم في هذا المنهج، والذي يتجلّى في مقولات هدمية صريحة وقفت عليها، ولا يهمني أن أناقش جوانب قد يحتمل بعضها النقاش -ولو في بعض الشخصيات بقدر ما-، ولا التشعب مع قضايا لا تنبني عليها القضية الأساسية التي أركز عليها، وإن كان قد يكون لها نوع تعلّق.
2/ المنشور موجه لمن يقررون صراحة التشنيع على طائفة واسعة من الرموز العلمية التي لم يزل العلماء يحتفون بنتاجها، وهم مع تشنيعهم هذا يطعنون ويسقطون ويزهدون في ذلك النتاج، أما من يحذر من أخطاء أو حتى يبدّع ثم يقرّر أنّ ذلك لا ينافي الانتفاع والإقرار بالمحاسن، فالمنشور لم يكتب له من حيث الأصل.
3/ احتفى المنشور بعلوم السلف، ونصّ على أنّها ليست مجرد علوم قاصرة ظهرت في حقبة واحترقت، وذكر أنّ ما بعدها هو امتداد لها. وأودّ أن أضيف هنا أنّ هذا الامتداد ليس مجرد تلخيص وتبسيط، بل فيه قياسات واستخراج لقواعد وتركيب لنظريات متكاملة استقر تأثيرها في علوم المسلمين، وهذا من تراث الأمة الذي يعين على فهم الشرع وتنزيله مع اختلاف الأحوال وطروء النوازل في كل زمان ومكان، ولا يصح اطراحه بدعوى ما دخل على بعض من شارك فيه من بدع وكلاميات يمكن تمييزها ونقدها
4/ المنشور لا ينفي التأثير التاريخي للسياسة في المذاهب العقدية المخالفة لأهل السنة وانتشارها، فأصل ذلك ليس محل نزاع، لكن الذي ركزت عليه هو ما في تراث أهل السنة من ثناء العلماء ورواج بعض النتاج العلمي الذي قدمه بعض من وقعت لهم مخالفات عقدية، فلا يصح جعل هذا الثناء والقبول من علماء أهل السنة من تأثير السلطة بتفسير تآمري متخيّل للتخلص من حمولة ذلك الثناء، ولا يبرر ذلك وجود استضعاف لأهل السنة في بعض الأزمنة يبرر بعض المداراة في بعض المواقف الفردية، ففرق بين المداراة في مواقف فردية وبين التقريرات العلمية التي تكتب وتنسب بعد ذلك قطعا لأصحابها فتلتبس، والخلط بين المقامين يفتح باب التشكيك في جملة كبيرة من تراثنا بأنه قد يكون فيه ما هو من قبيل المداراة لدفع الاستضعاف، فيؤول ذلك لما حذرت منه من هدم التراث.
5/ تقدير خطأ العالم وتصنيفه على أنّه زلة مغمورة أو جزء من مجموعة أخطاء عقدية توجب مزيد تشديد في وصفه، يرجع كثيراً لفهم حال الشخصية وضبط خطئها والنظر في بقية أقوالها وعموم منهجها وموقف العلماء منها، وكثير من طلاب العلم – فضلاً عن العوام- ليسوا على علم تفصيلي بذلك، بل يقلدون ما شاع عند جماهير مشاهير العلماء المتأخرين من الاعتذار لكثير من الشخصيات، وهذا أسلم في التقليد، فالسلامة هي الأصل في المنسوبين للعلم والفضل ممن كثر الثناء عليهم بين العلماء، والخطأ في العذر مع عدم تبيّن الحال وضبط قواعد الحكم أسلم، وغايته أنّه تقليد مقلد لمن يصح تقليده، وهو أسلم من تقليد من لا يعرف حاله عند كثير من العلماء لمجرد أنّه يدّعي أنّه أعلم بمقولات السلف وتنزيلها ويشنّع على من يخالفه.
بل أكثر من يُدعى اليوم لقبول التبديع والإسقاط لا يعرفون ضوابط الحكم على المخالف على التفصيل، وإنما أحسن أحوالهم أنهم يعرفون تقريرات أهل السنة بأدلتها وبطلان ما يخالفها، وأما مراتب المخالفة وما يترتب على المخالف وما وقع في الحكم عليه من خلاف وتفصيل فلا يعرفونه، فكيف يخاطبون بأن يفرعوا على ذلك تبديع وتشنيع أصحاب مصنفات لم تزل محل ثناء وقبول العلماء إلى أئمة زماننا من المشاهير المتبوعين، وأي تحقيق علمي يصلون له بسماع هذه الدعوات، غاية ما في الأمر أن هذا شأن تخصصي يناقش بين طلاب العلم المتخصصين، وأما نثره في عوام الناس أو حتى عوام الطلبة فليس من الفقه، وهو مظنة ما نراه من إسقاط وهدم، وتطوير عوام الطلبة وضيقي العطن لهذه المقولة لأقصى حد يتجاوز ما يقرره أصحابها في الأصل.
والناظر في بعض من أخذوا أصل هذه المقولات ثم طوّروها بالجهالة وحبّ الانتصار في الخصومات يرى ما يؤسف حقا، فكثير منهم صار اشتغاله بالمناكفة في هذه القضية وما يشبهها، ولا يظهر فيما يشتغل به أنه يطور نفسه علميا ويتفقه في علم السلف، فلا هو بالذي انتمى حقا للسلف ولا هو بالذي سلم الناس من سفاهته ونزقه بسكوته عما لا يحسن، بل قد بلغ الحال ببعضهم أن ثار حتى على من يزعم أنّه يقتدي به في هذا المنهج واصطدم به ولقي منه التوبيخ!
هذا بعض ما رأيت أهمية توضيحه مما يمس المنشور مباشرة، وأسأل الله أن يبصرنا بالحق ويعيذنا من الضلال
أحدث التعليقات