كن واعيا بوعيك!

تتشكل أحيانا ميول قوية في نفوسنا للرفض أو القبول للأفكار، وقد نسير معها ونبني عليها متكاسلين عن التوقف للتساؤل: ما هذا الميول؟ أهو حكم عقلي بني على أساس سليم؟ أو هو شعور نفسي يحتاج لمسائلة أعمق: ما باعثه وما الأفكار الخفية التي تقف وراءه؟

و كثيرا ما نجد بعد الانسياق مع الميول أننا تعجلنا، و أننا لم نكن قد بنينا مواقفنا على أسس سليمة، وربما صعب علينا الاعتراف بذلك، فمنا من يكابر الوقوف والمحاسبة، ومنا من يتشجع ويتواضع ويجاهد نفسه، فيزيد وعيا.

ويكمن الخطر الأكبر في أن الإنسان قد يسيطر عليه الهوى لتبني أفكار واتجاهات، يتطلع فيها إلى مظاهر أنماط من الحياة يهواها، ونتائج يحلم بها، ثم تصبح تلك الأهواء منطلقات لميوله تجاه الأفكار، دون محاولة لتبني التفكير المنهجي الذي ينطلق من أسس ثابتة لمحاكمة ما يكون محلا للنظر بعدل وطلب جاد للصواب

إن الوعي بالوعي أساس في فهم النفس، فأنت لن تستطيع تصحيح وجهتك وأنت لا تدرك أصلا أنك تائه، وأنك تسير حسب ما ترغب لا حسب ما تدل عليه خارطة السير التي وضعت وفق علم بالأماكن والطرق الموصلة، وإذا فرضنا على أحسن الأحوال أن ميولك ترقى إلى أن تكون بوصلة، فإن اندفاعك دون توجيه العلم وحسابات العقل الصحيحة قد يسقطك في حفرة، أو يوقفك دون زاد في مهلكة!

كثير من الجيل الناشئ يميل اليوم ببوصلة مزيفة يعبر عنها أحيانا ب “أحس”، فتطوى عمليات التفكير المبنية على المعطيات الثابتة والمناهج العقلانية، وتتخذ أهواء البشر وفلسفاتهم النسبية محركات لتلك الميول لمجرد انتشارها وتداولها، دون مسائلة لأسسها وفهم لما يلزم منها من ضلال وما تنتهي له من فساد في الدنيا والآخرة

وجزء من حل هذه المعضلة يكمن في الخوف، بإدراك حقيقة الدنيا وحتمية الموت ومصير الآخرة، وهنا تضطر النفس إلى التوقف والتثبت وتتجه للوعي بما يدور فيها للتأكد، فتبدأ سلسلة التصحيح، وأما الأمن والغفلة فمظنة الإهمال ومسايرة السائد من الأفكار غير المبرهنة، لما في ذلك من استراحة من وحشة المخالفة ولوازم الحق التي لا بد من دفعها، فسلعة الله غالية.. وسلعة الله هي الجنة!