السرديات ودورها في تشكيل الوعي

من أهم مكونات الوعي اليوم أن ندرك معنى السرديات ودورها في تشكيل الوعي، ولعل السردية إذا أخذناها بالمعنى الحرفي: قصة تروى. وفي سياق استعمالها في مجال الأفكار نجد أنها رؤية تتعلق بشأن عام تؤثر في قراءة الفرد لواقعه، وتسمى سردية لأن هناك من يسردها بوعي لغاية تشكيل رؤية معينة في ضمير الإنسان

من أمثلة السرديات ما حاول فرعون تشكيله في وعي أتباعه عن إعطاء نفسه صفة أعظم من صفة البشر والقادة المعتادين، ولما جاءه موسى عليه السلام بالبينات شعر بخطر ذلك على تماسك سرديته، فأخذ يؤكد مزاعم ألوهيته ويصوغ سردية حول دور موسى وغايته {أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد}

تستعمل السرديات بكثافة في الإعلام ويمكن ملاحظتها بسهولة من سلوك التكرار لرؤية تتعلق بشأن عام، خاصة إذا امتلك الفرد وعيا بتاريخ الأفكار، لأنه حينئذ سيلاحظ أن هناك سردا متعمدا لرؤية مستحدثة تهدف إلى التأثير في وعي الفرد والجماهير

ويزيد الأمر وضوحا عند المسلم الواعي بموضوعات القرآن، لأن القرآن لم يترك فراغا للإنسان في ما يتعلق بفهم وجوده والغاية من الخلق وسنن الوجود وعلاقات المجتمع المسلم بالآخرين ومعايير الصواب والخطأ وغير ذلك من الشؤون العامة، وهي مواضيع تتصل بشكل مباشر بالمجالات التي تحاول السرديات المستحدثة تشكيل الرؤى العامة فيها لتقود وعي الجماهير

ومن الآثار المهمة لإدراك لعبة السرديات أن يصوغ أصحاب التأثير السرديات الصحيحة انطلاقا من القرآن والتصوير الصحيح للواقع بعيدا عن التلاعبات، ومن الأمثلة التي أراها مهمة على ذلك: سردية صورة المجتمع عن نفسه، فبعض السرديات العالمية اليوم تدفع باتجاه تصوير البشرية أنها تسير نحو حتمية الانحلال من الفطرة وأن زمن الدين أفل وولى بلا رجعة، وقد يعزز الأفراد أنفسهم هذه السردية بالاكتفاء بالتوجع على فساد الأحوال والتركيز على تداول ما يعزز انتشار نماذج الفساد هذا، فتقوى هذه السردية بهم رغم أنه يقفون على الطرف المقابل منها

بينما لو رجعنا للقرآن والسنة سنجد أن هذا الواقع محكوم بسنن وحقائق لا تتغير، منها حتمية ظهور الإسلام وبقائه، وقوة الفطرة في النفس البشرية واستمرار تأثيرها وإمكان الاستثمار فيها وإلا لما كان للدعوة والتذكير مكان، كما نجد أن التاريخ له سنن في الابتلاء والمداولة للأحوال، وهذا ينقض سردية حتمية الانحلال والأفول للدين بلا رجعة

كما أن استقراء الواقع جيدا يدل أيضا على نقض هذه السردية، فالإنسان المنحل المعرض عن الدين يعاني باستمرار من فقدان المعنى ويتأذى بالبعد عن الفطرة، ولا زالت قوافل العائدين للفطرة الداخلين في الإسلام تتابع من عقر دور الانحلال، ومن بين مجتمعات الإباحية والإلحاد تخرج علينا وجوه تتوضأ باليقين وتشق طريقها إلى النور المبدد للظلام

أنا لا أدعو هنا لإنكار الواقع وتهوين خطورة الانحرافات المتصاعدة هنا وهناك، لكن أدعو لحفظ العقول كما قصدت الشريعة من أن تكون محلا للتلاعب بتشكيل الوعي الزائف بتلك السرديات الباطلة التي تقوم على التكرار والتدويل لصور جزء من الواقع فيه ظلام بلا شك، لكنه جزء لا كل، ويراد تطبيعه بتلك السرديات الموهمة لحتمية شيوعه وتسيده للمشهد، وهي حتميه وهمية لا تقوم إلا على مجتمعات تستسلم لأيدي التلاعب التي تشكل لها تلك السرديات كما تشاء

تشكل السرديات العامة جزءا من وعي الطفل وتنشئته، لذا قد تكون من أسباب انحراف الطفل خاصة انه يريد أن يفهم محيطه ويجد لنفسه مكانا فيه مع تقدمه في السن

ولذلك لابد من اهتمام الأسرة والمربين بغرس السرديات الصحيحة فيه، ونقاش السرديات الباطلة لمواجهة تأثيرها عليه، ومن أعظم وسائل ذلك اقترابه من القرآن خاصة إذا استطعنا جعله يعايش معانيه الكبرى، إضافة لتوعيته بقدر ما يحتمل عقله بزيف السرديات التي تروى له في كل مكان بالصورة والمقاطع والمواد المتنوعة التي تخاطب وعيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد تعالج بعض السرديات بمجرد التعليق الخفيف عليها، فلا يستهين المربون بدورهم ولا يقنطوا من رحمة الله، فمهما كان السيل جارفا فجذور الفطرة مع سقي القرآن كفيلة بتثبيت الجذوع وإثمار الفروع.. والله غالب على أمره، والله المستعان

#رسائل_الوعي
#رسائل_الثبات
#رسائل_الغربة
#رسائل_الصبر