سؤال:
السلام عليكم “أعيش في أمريكا، و العنصرية ازدادت على المسلمين، و كل يوم يحدث موقف يؤذيني، و ماعدت أحتمل نظرات الناس و احتقارهم و تمييزهم، و أحيانًا صراخهم عندما يرونني محجّبة، هل هذا يكفي ليكون سببًا لأن أخلع الحجاب؟” كيف نجيب على من تشعر بذلك؟ و إن قالت أن الحجاب جاء ليمنع الأذى، (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)) فكيف به الآن يأت بأذى، ألا يجدر أن نخلعه لبعض الوقت؟
الجواب :
وعليكم السلام
اهلا بكم
ما سألتم عنه اقرب للفتوى التي تحتاج لعلم بالواقع وتقدير تفصيلي للحال، باستثناء حديثكم عن الأذى في آية الحجاب وما استشكلتموه من أن الأذى قد يحصل بسبب الحجاب، سأتناول هذه النقطة بالنقاش، ولبقية الموضوع يمكنكم أن تراجعوا هذا الرابط :
نعمد للنقطة المتعلقة بالأذى وآية الحجاب، فأقول ينبغي التنبه لأمور:
أولا: الحكم الشرعي قد يكون له مقصد أو مقاصد متعددة، ولكنه يدور وجودا وعدما مع العلة لا مع المقاصد، فمثلا رخصة الجمع والقصر للمسافر تدور مع نفس السفر، فمن تحقق أنه مسافر جاز له الجمع والقصر، مع أن بعض المسافرين لا يجد في سفره مشقة، والمقصد أو الحكمة من الرخصة له علاقة بموضوع المشقة هذا، فلماذا لا يدور الحكم مع المشقة؟ الجواب لأن الشرع علقه بالسفر وليس بالمشقة، والحكم يدور مع العلة لا مع الحكمة!
طيب لماذا لا تدور الأحكام الشرعية مع المقاصد ما دامت هي الأهداف التي شرع لأجلها الحكم؟ الجواب أن الشرع يترك التعليل بالحكمة ويعلل بالوصف الظاهر المنضبط لأن ذلك يجعل التعرف على وجود الحكم ميسورا وعمليا، فالمشقة يعسر ضبطها لأن فيها خفاء ونسبية وتفاوت كثير بحسب الأشخاص والظروف، فعلق الشرع الحكم بشيء يسهل التعرف على وجوده وضبطه دون مشقة، كما أن ذلك يعطي سعة أكبر وتسهيلا أعظم في بعض الأحكام كمثال السفر الذي ضربناه للتوضيح هنا، وأحيانا يعطي احتياطا أكبر كما في مثال الحجاب والأذى، فلو علق الحكم بالأذى لكان أمرا غير منضبط، فقد تتبرج المرأة ولا تؤذى وقد تتحجب وتؤذى، وتعليق الحكم بمجرد كونها امرأة بالغة أضبط ويؤدي لحماية المرأة بشكل عام، والعبرة بالغالب من الأحوال ولا عبرة بالنادر.
والشريعة عندما تحكم حكما عاما يكون امتثاله واجبا عاما وفيه جانب تعبد بالطاعة والتسليم للأمر، وهذا الامتثال العام يؤدي للمصلحة عموما، ولا التفات للخصوص كظن أن التبرج لن يؤدي لأذى وفتنة، ما لم توجد رخصة استثنائية كالضرورة والإكراه على خلع الحجاب، فيكون النظر فيها من باب الفتوى الاستثنائية لا الحكم العام، فالحكم العام هو وجوب الحجاب، وهناك تفصيل لغير ذلك من الأحوال الخاصة في الفتوى التي أرفقت لك رابطها
ثانيا: يعرف بمجموع النصوص المتعلقة الحجاب أنه مقصود فيه منع الفتنة بالمرأة وسد باب العلاقات المحرمة، وليس الأمر متعلقا بالأذى فقط لكي نجعل الحكم مرتبطا بذلك
ثالثا: المقصود بالآية فيما يظهر من أقوال العلماء بناء على أسباب النزول أن تعرف المرأة بأنها عفيفة بعيدة عن الحرام، فيتجنبها أهل الفسق فلا تؤذى، وهذه الحكمة لا زالت قائمة، وهي أولى من الفهم العام للأذى الذي استشكلتم بناء عليه، ولذلك نجد مما روي في السيرة امرأة في عهد النبي ﷺ ووقت فرض الحجاب أوذيت بسبب حجابها، وقد ذكره الإمام ابن هشام في (السيرة النبوية) فقال: كَانَ مِنْ أَمْرِ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْعَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ لَهَا [بِضاعة لها]، فَبَاعَتْهُ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إلَى صَائِغٍ بِهَا، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ، فَعَمِدَ الصَّائِغُ إلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا فَعَقَدَهُ إلَى ظَهْرِهَا، فَلَمَّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ سَوْأَتُهَا [عَورتها]، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ. فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَهُودِيًّا، وَشَدَّتْ الْيَهُودُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ، فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ.اهـ.
فالحاصل أن الحكم قائم يجب امتثاله، ومقاصده قائمة وهي أوسع مما توهمتم، وأما حالكم الخاص فالنظر فيه إن استدعى الترخيص فيكون ذلك من باب الفتوى الاستثنائية الخاصة وتقدر بقدرها، وترجعون في ذلك لمن يوثق بعلمه ودينه ممن يعلم واقعكم.
والله أعلم
أحدث التعليقات