أثر ضعف التدين في رواج نسبية الأخلاق
لفتة جيدة عن أثر ضعف الضمير والتدين في رواج نسبية الأخلاق وعدم ظهور المواقف الصلبة عند الاختلاف، وهو ما يلفت الانتباه لأمر لم يذكره المؤلف، وهو أن طريق رواج الأطر العلمانية للأخلاق يمر عبر تذويب الحس الخلقي والديني، وهو ما يفسر حماسة من يروج لهذا الطرح لتسطيح الاهتمامات وترويج ثقافة الشهوات
يقول تريستام انجلهارت :
” المزيد من الأفراد يعيشون حياة أخلاقية بلا مضمون أكثر من ذي قبل، إنهم مترددون في تقديم أي ادعاءات مطلقة، ويميلون إلى رؤية الأخلاق على أنها مسألة نسبية: “ما هو صحيح بالنسبة لي”. وقد يُقال لهم: “قد يكون الأمر صحيحًا بالنسبة لك، لكنه ليس كذلك بالنسبة لي”. وهم أكثر ميلًا إلى رؤية العالم كسلسلة من التزامات متفرقة غير مترابطة، وهؤلاء الكوسموبوليتانيون التبشيريّون الذين يتسمون بانفتاح عالمي لا يلاحظون عادةً أن أولئك الذين يعيشون ضمن مجتمعات ذات التزامات أخلاقية قوية ومتجذّرة يجدون صعوبة في التعامل معهم، فهم يستطيعون بسهولة التواصل مع أفراد من ثقافات وأديان وخلفيات مختلفة، لكنهم لا يلاحظون أن من يتعاونون معهم كأصدقاء نادرًا ما يكونون مسيحيين أو يهودًا أو مسلمين ملتزمين بعمق، أو ليبراليين أو مساواتيين متفانين، بل إن شركاءهم في النقاش غالبًا ما يكونون من أصحاب الالتزام الأخلاقي المنخفض، الذين يتجنبون الحماسة في الإيمان، وقد يتجنبون حتى أولئك الذين لديهم غيرة دينية أو أيديولوجية باعتبارهم متعصبين ينبغي رفضهم. ونتيجة لذلك، فإن الغرباء الأخلاقيين الذين يواجهونهم والمعرفة التي لديهم لا تكون في الواقع غريبة جدًا عليهم. وبالنظر إلى رؤاهم الأخلاقية الخاصة وفهمهم، فإنهم يعاملون المؤمن الملتزم أو الأيديولوجي ليس كغريب بل كمختلّ، مما يُسقط الاختلاف الحقيقي الذي يقسّم بالفعل ويُظهر اختلاف المجتمعات الأخلاقية. ” انجلهارت في أسس الأخلاقيات الحيوية ، 97
وهذا تلخيص مركز – من الذكاء الاصطناعي- لجوهر الفكرة أعجبني:
الأخلاق السائدة في المجتمعات الحديثة ليست نتيجة توافقٍ عميق بين أنساق قيمية متعدّدة، بل نتيجة انخفاض حرارة الالتزام الأخلاقي لدى الأفراد. فالمجتمعات الحديثة تعيش سلامها الداخلي لا لأن الناس اتفقوا على الخير، بل لأنهم كفّوا عن الاهتمام بالخير بما فيه الكفاية ليختلفوا عليه.
بعبارة أخرى، إنجلهارت يرى أن “التعددية” التي تفاخر بها الحداثة ليست فضيلة فكرية، بل نتاج فتورٍ قيمي؛ وأن “التسامح” هو عرض من أعراض العدمية الأخلاقية لا ثمرة من ثمار النضج.
أحدث التعليقات