إجابة سؤال: ما هي أكثر الجوانب الطبية التي أطل منها الفكر الغربي؟

السؤال: ما هي أكثر الجوانب الطبية التي أطل منها الفكر الغربي؟

الجواب : هذا موضوع عميق ومهم جدا، ولا أرى أنني الأقدر على تناوله، ولا أن تجربتي كافية للتعرض له بشكل شمولي، لكن هذه بعض النقاط التي حضرتني:

– الجانب المنهجي:

أ- الطب واقع تحت سيطرة المنهج الاختزالي التجريبي ، وهذا ليس اعتراضا على المنهج التجريبي، بل كما هو واضح من العبار السابقة هو اعتراض على الاختزال، كما أن هذا ليس مؤثرا بشكل سلبي بالضرورة في كل القضايا، بل في بعض القضايا حيث تفيد مصادر المعرفة الأخرى معرفة لا يوصل لها المنهج التجريبي من حيث المبدأ، أو لم يوصل لها مع إمكان ذلك من حيث المبدأ، فيتم تعطيل المعرفة الدينية مثلا أو تعليق تصديقها على حصول الإثبات التجريبي، والذي قد لا يتناولها بشكل مباشر من حيث المبدأ لمحدوديته خاصة وفق المنهجية الاختزالية الحسية التي يعتمدها(كالروح) ، أو لم يصل لها إما لقصور الجهد البحثي أو وقوع الالتباسات أو التحيزات (كبحث المثلية مع أن للمعرفة الدينية حوله ما يؤيدها في البحث التجريبي، لكن ثمة منازعات متحيزة والتباسات تجعل الأمر متأرجحا بين الرؤية “الطبيعية”-التطبيعية وبين الرؤية الاجتماعية-المرضية)

ب- البحث الطبي مع قيمة الحياة وجودتها متحيز فلسفيا لرؤية دنيوية مفعمة بالنفعية المادية والنزوع للذة الجسدية، بعيدا عن الرؤية الشمولية الصحيحة التي تنطلق من شمولية الدنيا والآخرة والجسد والروح واللذة والأجر، وهذه النقطة مركزية في الطب لأن جودة الحياة مفهوم مركزي في تقييم وتوجيه الممارسة الطبية، ومرة أخرى هنا الاعتراض هو على الاختزالية وحرف المركزية بعيدا عن الرؤية الصحيحة للوجود، وليس مع أصل مشروعية تحسين جودة الحياة من ناحية دنيوية ونفعية بما يشمل اللذة، مع كون ذلك وفق رؤية الشرع في كون الدنيا وسيلة للآخرة ومعبر لها ودار ابتلاء حول العبودية


– الجانب “الأخلاقي”:

أ- الإطار الشائع في الممارسة الطبية في كثير من البلدان هو إطار الأخلاقيات الطبية الحديثة Bioethics وخصوصا تيار المبادئية ، وهو إطار يحيّد الدين ويجعل الممارسة محكومة بمبادئ مجملة
في حين تقدم الشريعة المبنية على التسليم لله العليم الحكيم سبحانه أحكاما تفصيلية تحقق مبادئها العامة، فلا تعرف الضبابية وفراغ المعايير التفصيلية

ب- كما تطغى في نمط الممارسة الفلسفة البرغماتية التي تجعل الأثر الواقعي معيارا للصواب والخطأ، وهذا أثر كثيرا على البحث العلمي وانعكاساته على الممارسة، وأضعف جانب القيم والمعيارية الذاتية لصواب الأشياء وخطئها..
في حين تتناول الشريعة الأشياء بأحكام ذاتية مع مراعاة المآلات أيضا بضوابط تفصيلية تحقق توازنا فريدا لا تعرفه هذه الاتجاهات

ج- تأثر الطب بفلسفة السيادة الذاتية وتأليه الإنسان في جانب القرارات العلاجية والإذن، في حين يقرر الإسلام مسؤولية الإنسان في جسده أمام الله فيحقق له حرية مسؤولة محدودة بالشرع تتسق مع حقيقة عبوديته لله
وفي رسالتي “كتاب: أحكام قرارات العلاج المساندة للحياة” فصل خاص بعرض ونقد الأخلاقيات الطبية الحديثة فيه تفصيل هذا وأكثر بفضل الله ..وقد أحاول الاستطراد لاحقا إن شاء الله

إضافة:
ومن الأمور المقلقة هنا أن ثمة تيار من الأطباء المسلمين ينسب نفسه للأخلاقيات الحيوية الإسلامية، وهو مصطلح توليفي لا يتفق مع عمق فهم الأخلاقيات الطبية الحديثة وإدراك تبايناتها الجذرية عن الشرع، والمقلق أن هذا التيار يتماهى بدرجات متفاوتة مع الرؤى الأخلاقية الغربية ويحاول تصوير الموقف الشرعي بأنه متفق معها في الجملة، وبعضهم يرى ذلك من إظهار محاسن الإسلام للغربيين، ولكنه في الحقيقة يسطّح الأمر.. وقد ذكرت أعلاه (بدرجات متفاوتة) لأن هناك أطروحات عميقة أحيانا تبرز التباينات