بسم الله. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

تعليق على مقال مترجم منشور في موقع أثاره يوم الثلاثاء السادس من شوال ١٤٤٢هجرية بعنوان (هل يستطيع العلم عكس الموت؟)

فكرة المقال تدور حول إمكانية عودة الإنسان للحياة بعد مرور ساعات على توقف القلب إذا تم تبريده خلال هذه المدة ثم أجري له الإنعاش القلبي الرئوي.

———————–

– ابتداء نقول إن عودة القلب للنبض وجريان الدورة الدموية بعد توقف القلب خلال فترة قصيرة أمر معروف من عشرات السنين، لكن الآن بدأت تظهر بعض الحالات التي يجرى فيها الانعاش رغم مرور ساعات على توقف القلب بشرط تبريد المريض الذي تعرض للسكتة لكي لا تتدهور خلاياه ويحدث الموت الخلوي في أنحاء جسده فيستحيل حفظ حياته، فأصبحت القضية أكثر غرابة.

– الفكرة التي في المقال بحسب عنوانه (هل يستطيع العلم عكس الموت؟) قائمة على اعتبار ان توقف القلب هو موت. وهذه الفكرة ليست فكرة شرعية. ولم يقل الفقهاء المتقدمون بأن مجرد حدوث السكتة وتوقف القلب موت للإنسان، فهو مفهوم طبي قديم لا مفهوم شرعي.
 ففكرة أن الموت يعكس أو يعود الميت للحياة بالإنعاش هي فكرة مبنية على تصور خاطئ للموت أصلا، ولا تتصور هذه الفكرة وفقا للتصور الصحيح وهو أن الموت يكون بخروج الروح من الجسد وليس بمجرد تدهور حالة المريض بتوقف قلبه ونحو ذلك.

– طبعاً ليس في المقال تعرض للفكرة الشرعية للموت أو المفهوم الشرعي وهو خروج الروح، بل فيه تعرض لمفهوم فلسفي للموت يقوم على أن هناك نقطة لا عودة يحكم بناءً عليها بموت الإنسان، وتحديد هذه النقطة كان بتوقف القلب أو توقفه مع مرور فترة قصيرة، فيترتب على ذلك استغراب عودة القلب للنبض بعد فترة طويلة ويسمى ذلك عودة للحياة بعد الموت، والحاصل وفق المفهوم الشرعي هو أننا اكتشفنا أن الروح لم تخرج في مثل هذه الحالات لا أنها خرجت ثم عادت.

– والمقال يشكك اصلاً انه هناك نقطة لا عودة، وبالتالي يشكك في مفهوم أن الموت يكون في لحظة معينة، ويشير لتعزيز مفهوم أن الموت عملية بيولوجية متدرجة لا لحظة معينة، وهذا بلا شك يخالف المفهوم الشرعي للموت والحياة الذي يعتمد على دور الروح وأنها تنفخ فتبدا الحياة وتخرج فتنتهي.

– كنت أتساءل كيف تنشر أثارة هذا المقال دون نقد؟
 فبدا لي أن القائمين عليها ربما أعجبهم حديث المقال عن تجارب الوعي بعد توقف القلب، ففي بعض حالات الإنعاش يحكي المريض عن ذكريات تدل على وعيه رغم توقف التروية الدموية عن دماغه وبالتالي يفترض أن وظيفة الوعي تتوقف، فيدل ذلك على وجود وعي الروح، وهذي النقطة ربما تكون ايجابية لمن يهتم بالرد على الالحاد والرؤية المادية للوجود، لكن لا يصح ان يتم تجاهل فكرة المقال المركزية الأخرى، وهي أنه ينفي كون الموت لحظة ويعتبره عملية بيولوجية تدريجية تقع على امتداد وقت طويل بموت الخلايا.

– لماذا لا يجوز تجاهل هذه النقطة ؟
لأن فكرة خروج الروح من الجسد تقوم على أن هناك لحظة تخرج فيها الروح، وفي القول بالموت البيولوجي الممتد وإنكار لحظية الموت ضرب لهذا المفهوم الشرعي.

– طيب، اذاً كيف نفسر هذه الوقائع التي حصلت وتم فيها ما يبدو أنه استعادة للحياة لمن توقف قلبهم فترة طويلة نسبياً مع وجود التبريد؟..

• التفسير مذكور في نفس المقال وهو أن هؤلاء الاشخاص لم يموتوا فعلاً، ونضيف بالمفهوم الشرعي الصحيح أنهم لم تخرج أرواحهم، ولو خرجت أرواحهم لما استطاعوا إعادة هذه الارواح الى اجسادهم، فهناك حالات كثيرة جدا لا يستعاد فيها النبض والدورة الدموية رغم إجراء الانعاش القلبي الرئوي لها في فترة قصيرة بعد توقف القلب، وهذا معروف جدا، فبالتالي لا نقول أن حالات الإنعاش حصل فيها الموت أصلاً، بل نقول أنه حوفظ على حياتها قبل خروج الروح.

• أما المقال فإنه لما ذكر نقطة عدم الموت بتوقف القلب، لم يذكرها على أنها مبنية على مفهوم الروح، بل ذكرها على أن الموت هو نقطة لا عودة للتدهور، ومن الطبيعي أن هذا المفهوم إذا قدم على أنه فكرة فلسفية مجردة لا تستند إلى دليل قاطع فيمكن أن يقابل بمفهوم آخر فلسفي بيولوجي مضمونه أن الموت عملية تدريجية، فمع غياب الدليل لا مشكلة أن يزعم كل طرف عكس دعوى الآخر ويقدم تفسيره المختلف بمجرد الاحتمال العقلي، فيقول أحدهما أن الحاصل هو أن هذه الحالات دلت على اكتشاف تأخر نقطة اللاعودة، ويقول الآخر أن الموت ليس نقطة معينة أصلا!

• لكن نحن في المفهوم الشرعي نستند الى قاطع وهو الوحي الذي اخبرنا بخروج الروح، وهذا يدل على أن الموت هو نقطة معينة وبالتالي وجهة النظر التي تقول أن الوفاة اصلاً لم تقع هي الصحيحة، ويؤيدها كذلك النظر العقلي الصحيح الذي يدل على استحالة اختزال الحياة في عمليات بيولوجية بلا روح، ولينظر في بيان ذلك مثلا المقالات التالية من مشروع الميسر في تعزيز اليقين:
https://t.me/moyassaryaqeen/230
https://t.me/moyassaryaqeen/238
https://t.me/moyassaryaqeen/243
https://t.me/moyassaryaqeen/269

– ربما يتساءل البعض، في ظل هذه الاكتشافات كيف يمكن تشخيص الموت وفق المفهوم الشرعي لخروج الروح؟

هذه القضية لا تشكل عندنا، لأن علامات خروج الروح التي تطلب مبنية على الاحتياط وانتظار ظهور آثار رمية تدل على أن الحياة توقفت بلا رجعة لوصول الموت الخلوي لدرجة لا يمكن عكسها، مثل التيبس وانخساف الصدغين

وطبعا في هذه الحالة لن يفلح الإنعاش القلبي الرئوي قطعا، بل حتى لو تم تدوير الدم صناعيا في الأوردة بطريقة أخرى لن تعود مظاهر الحياة لوصول الجسد لدرجة من تفكك ترابطه ودماره الخلوي تتجاوز إمكانية العودة قطعا

وأما مع التبريد، فلن تظهر هذه الآثار أصلا بالطريقة المعروفة، فتكون الحالة محل شك يطلب فيها الاحتياط، فإذا توقف التبريد وظهرت العلامات حكمنا بالموت، وإذا تمت محاولة الإنعاش وفشلت حكمنا بالموت، وإذا اكتشف الطب بالتجارب تحديد زمن معين يستحيل رجوع الحياة بعده ولو تحت التبريد حكمنا أيضا بالموت