إن أبسط شروط ارتباط لفظ الإنسانية بمعنى الكلمة أن يعكس المشترك الفطري بين الناس, فإذا لم يكن الشيء مشتركا بالفطرة بين الناس فعلى ماذا يسمى إنسانيا؟

– إننا نجد بتأمل سياقات استعمال لفظ الإنسانية في الخطاب الفكري أنها فلسفة تصور عن الوجود وقيمة الإنسان فيه، وليست مجرد صفة لمن يتصف بصفات الإنسان الفطرية، بل هي نظام عقائدي يرتبط بفكرة أن الإنسان هو مركز الوجود ومعيار تحديد الصواب والخطأ باستقلال عن الدين، وهي وسيلة لاستهداف التصور الديني الذي يعتبر الرب هو الإله الذي يخضع لحكمه ويوالي فيه ويتخذ نظامه المعيار للصواب والخطأ

– فهل تحييد الدين عن أن يكون نظام الحياة ومنهجها هو مشترك إنساني فطري؟! وهل يتصور أن يكون وصف الإنسانية متحققا وهو يقوم على عكس المشترك الإنساني الفطري القطعي, والذي يوجد في كل إنسان لو خلي بينه وبين فطرته, حيث تتجه إرادته ويتجه عقله إلى سبب وجوده ليجعل رضاه غايته والعبودية له وسيلته..

– إن فكرة تقوم على مناقضة أبرز المشتركات الإنسانية لا يمكن أن تَصدُق تسميتها بالإنسانية, وإنما هي لافتة خادعة تخفي ورائها منظومة فكرية تقصي الدين إلى هامش التأثير على أحسن أحوالها, بل إنها تصل لذلك إن لزم الأمر بحرق البشر الذي يقتربون مجرد اقتراب من خطوطها الحمراء, وما ذاك إلا نقض لدعوى الإنسانية, فالدعوى التي تجعل الإنسانية المزعومة هي القيمة العليا -بدلا من العقائد الدينية أو البشرية- لا يصح أن تعامل الإنسانية بنسبية, فتتشدق بها كشعار ثم تستدعي أبشع وسائل التدمير حين تريد فرض عقيدتها ومنظومتها الفكرية!

– وأبدا ليس هذا هو المشترك الإنساني الذي فطر الله عليه الناس، فكفى كذبا وكفى سذاجة! ولن يكون الإنسان إنسانا إلا بالعودة لفطرته والتسليم لمنهج الله الذي ارتضاه لعباده, وبغير ذلك سيخرج عن فطرته الإنسانية ويدخل في عبودية الهوى والشيطان بمختلف المسميات البراقة الخادعة!