استنطاق الفراغات !

استنطاق الفراغات!!

من الخطأ في بناء التصورات العلمية الاعتماد على قراءة كلام العلماء بطريقة يمكن أن أسميها استنطاق الفراغات، وذلك بأن يعمد الإنسان لكلام في شرح قضية ما، فيقول : لم يقولوا كذا، لم ينصوا على كذا، إذا هو ليس حراما، أو هو ليس بتلك الأهمية

فهذه طريقة بعيدة جذا في الفهم، لأن الألفاظ لها دلالات محددة في اللغة تفيد المعاني قطعا أو ظنا، وأما الاستدلال بعدم الكلام أصلا فهذا تخرص لا استدلال، وليس من باب “المفهوم” المعروف في دلالات الألفاظ في شيء، فذلك يفهم من نفس اللفظ لكن في غير محل النطق كما يقال، بوجود قيد في النص يشير إلى أنه ذكر لفائدة، ولذلك أيضا شروط حتى يصح الاستدلال به، ومحل تفصيلها علم أصول الفقه

ثم إن مما يكسب المفهوم في ألفاظ الشرع الاعتبار أن الشارع لا تجوز عليه الغفلة ولا يظن به سوء التعبير، وهذا ليس لغير الشارع، ولذلك نسلك مع الشارع مسلك التدقيق في كل لفظ ونغوص معه في الاستنباط

وأيضا لا بد من فهم مناهج أهل العلم في التأليف قبل الخوض في استنتاج أمور من تصرفاتهم في الكلام فضلا عن السكوت، ومن ذلك أن كثيرا من العلماء لا ينتهج الاستقصاء بحيث يقف مع كل ما يمكن ذكره في الباب الذي يتكلم فيه، ثم قد يترك أمورا لوضوحها عنده وعند أهل زمانه، فيظن المتأخر أنه تركها لخفتها عنده، ويصف من يشدد فيها بالتشدد، وهي شديدة في ميزان الشرع

وأخيرا يغفل بعضنا عن أن الواقع الموجود اليوم في بعض القضايا مثل التعامل بين الجنسين هو واقع مختلف جذريا عن واقع المسلمين قديما، فمثلا ليس في ذهن العالم المتقدم ولا أسوء كوابيسه ما يحصل اليوم من شيوع التبرج، والمخالطة المستلزمة لزوال الكلفة وحلول الألفة، والخضوع بالقول وإطلاق البصر، وغيرها من مصائب، فمن الغلط أن نستوحي من كلامهم فضلا عن سكوتهم ما يكرس هذا الواقع أو جزءا منه، وقد يكون بعضهم صرح في مواضع أخرى بما ينقض هذه التخرص من مواضع السكوت

مثال:
جاء في روضة الطالبين للنووي(7/21): «ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج ‌سافرات، وبأن النظر مظنة الفتنة، وهو محرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع، سد الباب فيه، والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية… وصوتها ليس بعورة على الأصح، لكن يحرم الإصغاء إليه عند خوف الفتنة. وإذا قرع بابها، فينبغي أن لا تجيب بصوت رخيم، بل تغلظ صوتها».

فها أنت ترى النووي ينقل التشديد في السفور وتأصيل سد الذرائع فيه، ثم يقرر التشديد في طريقة حديث المرأة مع الأجنبي، فهل يصح بعد ذلك أن نعمد مثلا إلى قوله في موضع آخر(7/29): «أو تحمل شهادة عليها، جاز النظر إلى ‌وجهها فقط ليعرفها»، فنقرر أنّه لم يشدد وأنّ بعض المعاصرين لديه تشدّد بينما الفقهاء لم يكونوا يتعاملون بهذا التشدّد، بينما نفس النووي قبلها بصفحات يسيرة يشدّد في نبرة الصوت عند الكلام!

#منهجيات