بين الصدق والحكمة
بين الصدق والحكمة!
قيمة الصدق عظيمة، والالتزام بها منقبة، ويحتاج ذلك لمجاهدة للنفس، لأن حظوظها قد تدعو لإظهار خلاف باطن الأمر، وعدم إنفاذ بعض الحق لما فيه من آثار صعبة على النفس
غير أنه لابد من الانتباه إلى أن قيمة الحكمة قد تلتبس مع هذا الباب، فالحكمة ينظر فيها للمحل الذي يعمل فيه بالصدق وإنفاذ الحق، وقد تقتضي ترك إنفاذ بعض الحق والسكوت عن بعض، وقد جاءت النصوص دالة بوضوح على مشروعية ترك إظهار وإنفاذ بعض القول والفعل لما يجره من شر أولى بالمراعاة، وإن كان المتروك في الجملة حقا
ففي هذا النوع من القضايا الذي يحتاج لمراعاة للقيمتين، قد يأتي من يعظم الصدق فيعد استعمال الحكمة من عدم الصدق والمراوغة والتخاذل، وذلك لغلبة صفته النفسية المعظمة للصدق، وقد يأتي من يدعي الحكمة في موضع صدق ليغطي ضعفه ويوفر حظ نفسه، وذلك لغلبة ضعفه وهواه، فيقع الغلط في هذا للفريقين
ثم قد يعظم الغلط مع الانتصار للنفس ووقوع الخصومة، فيستعمل من ينزع للمكاشفة والمواجهة لافتة الصدق ليبغي على من استعمل الحكمة في موضعها أو اجتهد في ذلك اجتهاد سائغا، أو أخطأ فيه متأولا صادقا، فيرمى ظلما بعدم الصدق والمراوغة
وعلى العكس يستعمل من ينزع للهدوء وراحة البال لافتة الحكمة ليبغي على من استعمل الصدق في موضع لا تقتضي الحكمة إلا إنفاذ الحق، أو اجتهد في ذلك اجتهادا سائغا، أو أخطأ فيه متأولا صادقا، فيرمى ظلما بالاندفاع وضيق الأفق
والحاصل أن الالتباسات تعظم في هذا الباب خاصة مع تعقيد أو غموض بعض الوقائع، ووقوع الخصومة فيها ووضع حظوظ النفوس على المحك، فهنا يكون الإنسان أحوج ما يكون إلى الصدق والحكمة معا، وإلا عظم البلاء..
أحدث التعليقات