إضاءة منهجية (24): إندومي مؤامرة !

 يقوم العقل بفحص ظواهر الأفكار والأحداث وفهمها وتحليلها وتكوين التصورات حولها، ثم يتخذ الإنسان المواقف..

هذه العملية يجريها العاقل باستمرار بهذه التلقائية ويبني عليها أغلب قناعاته ومواقفه، وليس بحاجة لقطع هذا التسلسل الطبيعي إلا عند حدوث شك في وجود عامل خفي ليس له مظهر واضح يثبت وجوده، فيحصل التوقف ومحاولة التعمق والاستكشاف، وقد يفضي ذلك لاكتشاف العامل الخفي، أو يظل الإنسان في حالة التوقف.

-وصحيح أن حالة التوقف هذه حالة مزعجة، لأن الجهل مؤلم، إلا أنه ما من إنسان إلا وقد دخل في حالة تصالح مع نفسه ليرضى بقدر من ذلك الجهل في أمور لا يمثل العلم بها أولوية عنده، فحالة التوقف هذه محدودة بهذا الاعتبار النوعي، أي باعتبار أن نوع تلك القضايا لا يمثل أولوية.

– ثم هي كذلك محدودة باعتبار كمي، إذ أن كم الجهل والشك والتوقف محدود في نظر هذا الإنسان، ولا يمثل أغلب ما ينظر فيه، وإلا لما استطاع أن يدخل في حالة التصالح هذه، إذا كان عاقلا ذا همة لا يرضى بالغفلة والحياة البهيمية، فهذا سيتعلم ويرفع الجهل عن نفسه في ما يحتاجه ويعنيه.

لكن ثمة نوع من الناس لا يرضى بالغفلة أو الانصراف إلى الشهوات بعيدا عن عالم الوعي والفهم، ومع ذلك هو لا يعيش حالة التصالح هذه، ورغم أنه يدرك أولوياته، إلا أنه يعيش حالة من التوقف والشك الزائد عن المعتاد، وذلك أنه يجعل العوامل الخفية شبكة منظمة دائمة الوجود خلف كل قضية، وذلك هو هوس المؤامرة!

 نعم أحيانا توجد مؤامرات .. ولا نقف معها على خيوط المؤامرة وفق التسلسل الظاهري للنظر العقلي، حتى نلغي بعض المعطيات اعتبارا لأخرى أخفى منها فيستقيم الفهم.. ولكن هذا استثناء وليس أصلا.. وهل من الخطأ جعله أصلا؟ نعم، فالمبالغة بالتفسير التآمري تلغي عمل العقل في تحليل الظواهر واعتبار المعطيات، وتوجه السلوك للسلبية والعجز أمام قوى خفية، فلا فكر ولا حلول.

  • بعض المراقبين يقولون أن هذه المشكلة غدت ظاهرة في المسلمين، ولعل هذا نتاج كثرة المؤامرات في العقود الأخيرة، لكن هذا الجموح لابد من لجمه بالعقل الصحيح، فتحوله لسلوك عقلي نمطي كسول يهدد المعرفة الصحيحة في مجالات معرفية كثيرة، ويجعل الإنسان هشا أمام دعاوى التآمر، حتى يقبل التشكيك في أظهر المعارف لأنه تعود على جعل الاستثناء أصلا والأصل استثناء، بأدنى دعوى أو أدنى شبهة دليل، ولذلك رأينا من يشكك الناس في ثوابت دينية كثيرة بدعوى وجود مؤامرات تاريخية سلطانية وفقهية. (ينظر لهذا).
  • من المؤلم اليوم أن هذا التسطيح -والمفارقة هنا أن المؤامرة في الأصل شيء عميق، لكن رمي كل شيء عليها تسطيح فظيع- امتد إلى كثير من الأكاديميين في شتى التخصصات، وحتى حملة العلم الشرعي، وقد جعلهم ذلك فقراء في فهم المعطيات في بعض القضايا لأنهم اختاروا أن يستبدلوا التعمق في استقراء وفهم المعطيات المعقدة -لطبيعة القضية أو كونها من تخصص آخر يصعب اقتحامه-، فاكتفوا بوصفة المؤامرة سريعة التحضير، فهناك مؤامرات لشركات الأدوية، وأخرى لعلماء الفلك، والمنظمات السياسية السرية، إلخ ذلك مما يمكن إراحة النفس به في أية قضية معقدة، رغم أنه لا ينكر وجوده وثبوته أحيانا في إطار التفكير المتزن والاستدلال الصحيح.

وطبعا هنا الدفاعات عند مهووسي المؤامرة جاهزة، لأن الاعتراف بالجهل والكسل مؤلم، فستتهم مباشرة بأنك سطحي لا تفقه حجم التآمر -وكأنه هو يستند لمعطيات وزنها بدقة لتكشف عن هذا الحجم وليس هلوسات وخيالات-، لا سيما أن المصادر السهلة التي تتسم بكثرة وتشعب الدعاوى وضعف الأدلة عند التمحيص كثيرة جدا، وعندك قوقل وغيره مليء بتلك الدعاوى غير المحققة، والتي لا يكلف الواحد منهم نفسه غالبا بتمحيصها وفق قواعد منهجية صلبة وفحص متأن ناقد، ولا أدري لماذا لا يبدع أحدهم ويزيد حبكة السردية ويعتبر تلك الموجات المهووسة بالتآمر مؤامرات في حد ذاتها لصرف الإنسان عن الحقيقة!!

دعوا عقولكم تعمل.. بل وتتعب إذا كانت القضية مهمة.. لنقبل أن بعض الأمور تحتاج لجهد عالٍ ووقت في فهمها، وأنه ليس بالضرورة أن تحسم موقفك في كل قضية، وإذا كان ذلك ضروريا في بعض القضايا فوطن نفسك على التعب لتصل لمعرفة صحيحة ورؤية أعمق بعيدا عن التسطيح، سواء كانت النتيجة مؤامرة أو غير مؤامرة.. فالمهم ألا تكون إندومي مؤامرة!!