إضاءة منهجية (15): بعض الأحكام الشرعية مبنية على عظم الخطر ولو لم يغلب
شأن الشريعة في عمومها أن تبني الأحكام على الغالب دون النادر، لكن في بعض المسائل التي يعظم خطرها نجد الشريعة تبني على عظم الخطر ولو لم يغلب، ومن نظر في منهيات الشريعة التي سدّت ذريعة الشرك وبعض الكبائر كالربا والزنا، علم أنّها لم تقصر التحريم على دائرة الغلبة بل تجاوزتها لعظم الخطر.
ومن يستقرئ تصرفات الفقهاء يجدهم على هذا المنوال، لا يجعلون قاعدة الغلبة قاعدة دائمة الاطراد لا يستثنى منها شيء، وفي هذا يقول القرافي في فروقه (4/111):
– “فينبغي لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا، وحينئذ يعتمد عليه، وأما مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره فخلاف الإجماع”.
– وقال (4/107): “وإذا وقع لك غالب، ولا تدري هل هو من قبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر، فالطريق في ذلك أن تستقرئ موارد النصوص والفتاوى استقراء حسنا، مع أنك تكون حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم، فإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر، وهذا الفرق لا يحصل إلا لمتسع في الفقهيات والموارد الشرعية..”.
وقبل ذلك، من يستقرئ تصرفات السلف في تعاملهم مع المبتدعة، يجد أنهم يحذرون منهم بل ويجنبون أنفسهم التعرض لشبهاتهم، لا لضعف الحق بل لقوته! فمن يقف على قوة الحق يستغنِ به عن أن يلوث نفسه بأنفاس الباطل، ويغلي ما عنده من حق عن أن يعرضه للتشويش وقلق النفس بتكلف الجواب عن الشبهات التي ترجع للمغالطات، وتكلف المغالطات ليس صعبا ولا محدودا يتناهى فيطمع في قطعه! والأدلة القطعية الدالة على الحق تدل على بطلان معارضاته إجمالا، ويغني ذلك في الأصل عن التفصيل.
إن سلف هذه الأمة لا تخفى عليهم قاعدة الشرع في تقديم الغالب على النادر، ولكنهم يعرفون أصناف النادر، ويعرفون مراتب المفاسد، وهم أبصر بمواضع الاستثناء والتفصيل ممن يأخذ بالعمومات ظنًّا أنّها طريقة الشرع أبدًا دون استثناء، ويقيسون المسألة بالأعداد والنسب المئوية، فيظنون أن واحدًا من ألف لو انحرف بسبب شبهة أمر يتسامح فيه، مع أنّهم في سعة من أن يزِنوا طرحهم بطريقة تفيد الألف دون خسارة واحد، وأي خسارة هذه!!
قارن هذا ببعض من يتصدون للمعترك الفكري اليوم فيعيشون جو الصوالين الفكرية أمام عامة الناس، فيعرضون كل شاردة وواردة، ويجلبون الغث والسمين، ويصدرون أصحاب الأمراض الفكرية بحجة أنهم لا يلزم من ذلك أنهم يقرونهم، فتسقم قلوب من لا يملكون الأدوات النقدية والحصيلة المعرفية الكافية، ثم يجدون هؤلاء في أبراجهم العالية يتفيقهون ولا يشعرون بهم وبما وقعوا فيه!
نعم نحن في زمن لم تعد الانحرافات الفكرية فيه بمعزل لا يمكن الوصول له، ولم تعد الخصوصية الفكرية خيارا في كثير من الأحيان، ولذا نحن لا نقول بأن التعرض للانحرافات بالعرض والنقد ممنوع مطلقًا، لكن يجب أن يكون ذلك بفقه وحصافة، وبالقدر المناسب وفي المكان المناسب ومن الشخص المناسب، وبحفاظ على استعلاء الحق وتحقير الباطل، وتقديم من يستحق التقديم وتأخير من يستحق التأخير، لا أن نتخيل أن الناس كلها في مستوانا الفكري فنعرضهم لما نتعرض له ونحن نضع ساقًا على ساق وكأن المسألة ترف وتسلية فكرية!
إن المتخصصين اليوم في نقد الانحرافات الفكرية على ثغر عظيم، ومسؤولية جسيمة، ويحتاجون بشدة للموازنات الصعبة وإتعاب النفس فيها وعدم الركون للاستسهال، ومقاومة الرغبة في الحديث والإشاعة لكل ما يعالجونه في كل بيئة وبأي طريقة، بل لا بد عند التطعيم من وزن المقدار وتقدير المخاطر، ولا بد عند العلاج من ذلك أيضًا، وإلا لم ينفع الطبيب إذا أسرف وفرط معطفه الأبيض الجذاب!
إضاءة: قال صديق لي: “مشكلة حين يتزحزح الهم الدعوي التربوي من مقاصد مثل هذه البرامج، وهذا الهم في الحقيقة هو روحها ومادة حياتها.. “.
أحدث التعليقات