إضاءة منهجية (16): في معالجة إشكالية تاريخية النصوص
موضوع تاريخية النصوص الشرعية يُطرح بغرض تسويغ إيقاف العمل ببعض الأحكام الشرعية، أو حتى أبعد من ذلك بالقول أنها لم تعد أصلًا أحكامًا تُنسب للشرع وإنما كأنها شيء منسوخ وانتهى العمل به تمامًا .
وهذا القول بالتاريخية يَصْدر من بعض من ينتسبون إلى الإسلام ويقفون موقف المدافع عنه، وقد يصدر من الطرف الآخر الذي يهاجم صلاحية الإسلام للعصر، ويرى إقصاء الدين أصلًا عن الحياة العامة.
وفي كل الأحوال يجب أن نؤكد ابتداءً على:
(1) الأصول التي تتعارض مع هذا الموضوع:
أ-أول وأهم أصل هو:قضية كمال الشريعة وكونها صالحة لكل زمان ومكان.
ب-وقضية إلزامية الشريعة وهيمنتها وكونها أُنزلت لتحكم بين الناس.
والناظر في القرآن يستطيع أن يجد عشرات الأدلة على هذا أو أكثر:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[1].
{وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ}[2].
{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ}[3].
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}[4].
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[5].
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ}[6].
{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}[7].
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}[8].
ومن معاني الدين أصلًا: الطاعة، ومن معاني الإسلام: تسليم النفس لله تعالى.
فهذه النقطة يبدأ من عندها الإنسان؛ لأنه إن لم يكن عنده تسليم بها لم تستطع أن تبني عليها حرمة التشريع أو عظمتها في نفسه.
(2) النقطة المنهجية الثانية: أن القول بالتاريخية يتعارض مع هذه المقدمات:
ووجه تعارضها -وقد لايشعر به صاحب القول بالتاريخية-: أن إلزامية الشريعة وكونها حكمًا
-والحكم يرجع إلى معنى الفصل والإلزام- لا يمكن أن يتحقق مع القول بالتاريخية.
فحتى لو قال القائل:”إنَّ قولي بتاريخية الشريعة لا يعني أني لستُ مقتنعًا بالحكم بالشريعة، وإنما أدعو إلى إيقاف تلك الأحكام أو تعطيلها لأنها انتهت ومرتبطة فقط بمسألة تاريخية”.
أو قال: “تجربة السلف غنية وناجحة لكن لا تلزمنا”.
حتى هذه الصورة أيضًا تتعارض مع تلك الأصول؛ لأن القول بالتاريخية معناه: تعطيل الأحكام الشرعية التي نزلت بحجة أنها مرتبطة بزمان معين أو بظروف معينة، مع عدم انضباط هذه الأوصاف (الظروف)، وعدم ربطها بالمعاني الشرعية المنصوص عليها كما يفعل هؤلاء.
ففي هذه الحالة نجد أن هذا آل إلى تعطيل الشريعة من جهة أنها أصبحت معنًى فضفاضًا يمكن أن يفصّله أي أحد كما يشاء، فلا يعود للشريعة معالم وحدود ولا أحكام ظاهرة وتفصيلية، وإنما تبقى مبادئ عامة، وهذه المبادئ العامة هي أصلًا مشتركات إنسانية تجد أكثر الناس مقتنعين بها؛ لأنها ترجع إلى معانٍ فطرية في النفس ومعانٍ عقلية يستطيع الإنسان إدراكها لكونها إجمالية وكلية وعامة.
ومن نظر في تفاصيل الشريعة وطريقتها وتصرفاتها في الأحكام يجد أنها تنحى منحى تعليق الأحكام على الأوصاف الظاهرة المنضبطة التي يمكن أن تُدْرك بيسر بحيث تطّرد، فيمكن إدارة الحكم مع هذا الوصف، فلا يتفاوت كثيرًا في الواقع بشكل يجعل من العسير ضبط الحكم واستقرار التشريع.
مثلًا:
الشريعة في مسألة السفر تعلق الرخصة بنفس السفر، ولا تعلقه بالمشقة، مع أن الحكمة هي دفع المشقة، ولكن لأن انضباط قضية المشقة صعب.
كذلك هي تُلْزِم في القضاء بالبناء على البيِّنات، والشهود، وعدالة الشهود، ولا تترك المجال للقاضي أن يبني الأمر على انطباعاته الداخلية مثلًا، لأن هذه الأمور لا تنضبط، حتى لو ادّعى أنه علم بصدق الشهود، لا بد أنَّ يرجع للمعاني الشرعية وتحقق العدالة وما إلى ذلك.
فنجد الشريعة اهتمت بشروط الأحكام وأسبابها وموانعها، وهذه كلها محددات بحيث يكون الحكم منضبطًا وواضحًا ويمكن العمل به دون حصول إشكالات في التطبيق.
ولذلك عندما يحاول الإنسان أن يرجع إلى معانٍ باطنة غير منضبطة أو يأخذ انطباعات نفسية فيقرر أن هذا الشيء كذا وكذا، يقال له: هلّا شققتَ عن قلبه؟!، لأن هذه المعاني لا يمكن ضبطها. وهذا شيء عام وواضح في الشريعة، فلا يشك الإنسان بأنه قاعدة في التشريع.
فأي طرح -سواء كان تاريخية النصوص أو إبراز مبادئ معينة في الشريعة مثل العدل أو قضية الوسطية ونحو ذلك- بدون إرجاعه إلى معاني الشرع الأصلية المنضبطة هو في الحقيقة وسيلة لتضييع معالم الشرع، فإذا رددنا الأمر إلى الأصول المذكورة من كمالية الشريعة وإلزاميتها وحكمها وهيمنتها أصبح لدينا تحطيم لأُسس هذه النظرات التي تعطل الشريعة وتعطل إلزاميتها وتذهب بمعالمها.
(3) النقطة الثالثة : أهمية الوصول إلى جذر هذا الانحراف:
فمسألة التاريخية هذه ليست غاية وإنما وسيلة عند الشخص حتى يصل إلى إزالة الحرج النفسي الذي يشعر به تجاه بعض الأحكام الشرعية، وهذا الحرج ناتج عن أن الشخص لديه خلفيات فكرية معينة حصل بينها وبين بعض الأحكام الشرعية حالة تصادم في خلفية الإنسان، وهذه المعاني لو رجعنا لها وحاولنا أن نمسكها سنجدها أمورًا غير منضبطة وغير مبرهنة، مجرد أمور ذوقية تستند إلى العادات والأذواق السائدة -غالبًا في الغرب- أو أفكار وفلسفات لا تصلح كمعايير، وإنما هي معانٍ عامة تحتاج إلى تفصيل حتى يدرك ما فيها من حق وباطل ويُميّز بينها.
بملامسة هذه المنطقة وإجراء المعالجة الفكرية فيها بتشخيصها ووصفها وإبرازها أمام الشخص الذي يحمل إشكالات ثم نقدها وبيان بطلانها أو بيان ما فيها من نقص، بهذا نكون قد عملنا ما يسمى بالتخلية، ثم يتقبل هذا الشخص بأريحية ووضوح الرؤية بالنظر في الاستدلالات الشرعية وتختلف نظرته للشريعة، فيدرك المميزات في الشريعة ويدرك الخلل والنقص الذي في الأفكار المخالفة، وهذه تحتاج إلى مكاشفة ومعالجة قد تحدث تصادم بين القيم الصحيحة والقيم المجملة أو الفاسدة، لكن أحيانًا مرارة الدواء لابد منها، وبدون ذلك نبقى ندور في حلقة مفْرغة حتى لو أقنعناه بطريقة أو بأخرى فسيرجع إلى منزع آخر ينازع به الأحكام الشرعية،أو الأسوأ من ذلك أنه قد يتخذ موقفًا من كل الدين حتى يشعر براحة ضميره ويخرج من حالة الصراع في داخله، فضبط مثل هذه الحوارات منهجيًّا بمعرفة أصولها وجذورها والاهتمام بالمعالجة العميقة الشمولية يخدم وينفع كثيرًا بإذن الله.
————————–
[1]المائدة: 3.
[2]البقرة : 213.
[3]المائدة: 49.
[4]النساء: 65.
[5]الأحزاب :33.
[6]سبأ : 28.
[7]التوبة: 33.
[8]النساء: 64.
أحدث التعليقات