إضاءة منهجية (17): في التعامل معت شكيكات الملحد واللاديني في حكمة الأحكام
من صفاقة الملحد أنه يحاول تشكيك المسلم في أحكام الشريعة ويناقشه في الحكمة منها، وهو أصلا صاحب رؤية مادية عشوائية للوجود لا يتأسس على أساسها أي خُلُق مطلق ولا معنى للخطأ والجرم، بل ولا حتى معنى للعقل! فالإنسان عندهم نوع من الحيوانات التي تطورت لأجل البقاء لا لأجل معرفة الحقائق والمثل والقيم التي لا وجود لها في عالم المادة المظلم.
والحقيقة أن انجرار المسلم والمسلمة في نقاش تفصيلي حول الحكمة من الأحكام يأخذ فيه دور المدافع هو تسطيح للقضية مع الملحد وتضييع للوقت، ومن ليس لديه المقدمات العلمية الكافية ينبغي له ترك الجدالات العقيمة أصلا مع هؤلاء، وليس ذلك ضعفا في موقفه بل هو وعي وإدراك بأن الملحد لا يقف أصلا على أرضية يمكن تأسيس النقاش في الأحكام عليها، فعليه أن يؤسس لهذه الأرضية أولا إن استطاع .. ولن يستطيع!
وأما موقف المسلم حين تورد عليه التشكيكات في تفاصيل الأحكام والحكمة منها، فعليه أن يستحضر أولًا أن الله ﷻ أعلم بما يصلح عباده، وأن الإيمان به وبرسوله يقتضي التسليم لحكمه والرضا به.. وأن هذا ينافيه أن نعلق قبولنا وتسليمنا على أن نفهم الحكمة ونعرف رد الإشكالات التي تطرح عليها، لأننا نعلم أن الله ﷻ حكيم كما دل العقل وكما أخبرنا عن نفسه وكما شهدناه في خلقه وشرعه عموما، وإن خفي علينا وجه الحكمة أحيانا، فما علمناه عموما وشهدناه يكفينا عما لم نعاينه ولم نشهده في بعض الجزئيات، وما أوتينا من العلم إلا قليلا، ولن نحيط بعلم الله ﷻ وحكمته لمحدوية عقولنا.
وهذا الموقف العقلي السليم المؤسس على براهين صحة هذا الدين، هو موقف كافٍ في الرد على التشكيكات، وعلى من ينازع في ذلك من الملاحدة واللادينيين أن يناقش أصول هذا الموقف ليصطدم بقوة أدلة هذا الدين وعظمة مضامينه، وهي ما يجعل المؤمن واثقا مطمئنا، ويبقى أن يسأل فيما أشكل عليه لزيادة الفهم.
———————–
وهنا نقول أن في عموم الأحكام قاعدة عامة نافعة في الرد على التشكيكات في حكمتها، وهي أن الشرع يعلق الأحكام على ما يتضمن جلب المصلحة ونفي المفسدة غالبًا، يعني ليس بالضرورة أن يظهر أن ينطبق ذلك في كل واقعة بعينها، فأن الشرع يضبط الأحكام بأوصاف ظاهرة قابلة للتطبيق وترتبط بالحكمة غالبا، فليس بالضرورة أن نشاهد الحكمة بنفس القدر من الظهور في كل موقف جزئي.
ولنأخذ مثلًا قضية حجاب المرأة، ومحاولات التشكيك في الحكمة منه بدعوى عدم تأثر بعض الرجال في بعض الأماكن بالنظر لكذا أو كذا لتعودهم، وبالتالي فإن ذلك بزعمهم يطعن حكمة الحجاب.
فنقول نعم، إن حكمة الحجاب لها تعلّق بالعفة والبعد عن العلاقات المحرمة.. ولا يعني هذا أنّه لو وجدت حالة يستحيل فيه الحرام، أنّ النظر للعورة يكون جائزًا بدون حاجة ولا ضرورة! بل سيبقى الحكم منطبقا ومرتبطا بما ربطه به الشرع، ونتعبد الله ﷻ به طاعة له وتسليما، وهذه الطاعة والتسليم بهذا الإطلاق تضمن أن تتحقق الحكمة من الأحكام دون وجود خلل واضطراب في التطبيق، فلو قيل بأنك لا تنظر حال إمكان الحرام فحسب، لاضطرب الأمر وادعى كل شخص ذلك أو عدمه بدون أن تنضبط الأمور.
لذلك نجد الشرع مثلًا يحرم الخمر مطلقا، مع أن بعض الناس يشرب القليل ولا يسكر، أو يسكر في بيته ولا يؤذي أحدا.. لكن الشرع يسد الباب تماما.
فهنا نقول نفس الشيء، قد يفتن بعض الناس بالنظر حتى للمرأة التي لم يبد منها شيء ولا حتى عينها، وقد ينظر رجال للعاريات تماما ولا يتحرك فيهم شيء .. لكن الشرع لا يلتفت لهذا ولا لهذا، بل يبني على الحالة الغالبة في عموم الأزمان والأماكن، ويحرم بناء على ما يصلح لعموم الأحوال، وقد يوسع دائرة التحريم بقدر من الاحتياط هو سبحانه يعلم بأنه متوازن بين جانب المشقة والحرج وبين جانب الاحتياط للمفاسد، فالأحكام تأتي بين هذين الطرفين في نقاط معينة تحقق التوازن في غالب الأحوال، وهذه النقاط لا يحيط بتحديدها تحديدا عاما على وجه الدقة وتحقيق المصلحة العامة إلا الله ﷻ، ولو كان البشر يحيطون بها تفصيلا ويلتزمونها دون اتباع للهوى لما احتاجوا للوحي.
فهذه القاعدة نافعة في دفع التشكيكات في الحكمة، لأنّ التشكيكات تفترض مقدّمة باطلة، وهي أنّ الحكم لا بد أن يرتبط بالحكمة بنفس درجة الظهور في كل الصور الواقعية، وهذا ما لا يلزم ولا يتفق مع طبيعة الحياة البشرية، والشرع جاء بتقليل المفاسد وتعطيلها وتكثير المصالح وتكميلها مراعيا لعموم الأحوال وغوالبها، مع مراعاته للاستثناءات في قواعد الضرورة ونحوها، فمن لم يفهم عمق الشرع وشموليته سيثير هذه الاعتراضات الطفولية ويظن أنّه جاء بشيء، وهو إنّما أزرى بنفسه وسخّف عقله.
وأخيرا ما دمنا مثلنا بموضوع الحجاب، تحسن الإشارة هنا إلى أنّ الشريعة الإسلامية متعالية على النسبيات والقصور البشري، فلا يصحّ أن تحاكم من زاوية المرأة وطبيعتها فقط، أو زاوية الرجل وطبيعته فقط، ولذلك فإنّ نظرة المرأة بتكوينها وطبيعتها الجسدية إلى قضية الفتنة بين الجنسين ليس معيارا يصلح لوزن الأحكام، وهذا ما تقع فيه بعض النساء حينما تفترض أنّ الرجل لن يفتنه كذا، وتقول هل يعقل أن كشف كذا سيفتن الرجل، وهي لم تنظر بعين الرجل وطبيعته أصلا ولن تستطيع ذلك.. ولا بد من التسليم لمن هو أعلم بخلقه وما يصلحهم، لقصورنا وفقرنا لكمال علمه وحكمته، ولأنّ هذا ما يقتضيه إيماننا به سبحانه وإسلامنا نفوسنا إليه.
أحدث التعليقات