إضاءة منهجية (29): الطبيعة الغائبة
للحياة غاية، ولها طبيعة تنسجم مع هذه الغاية، وأسعد الناس نفسا ومآلا هو من ينسجم مع هذه الغاية ويفهم هذه الطبيعة، والعكس بالعكس.
وهذه الغاية محددة ومحسومة من خالق الحياة،{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[1]، وكذلك الطبيعة{كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا}[2].
إذًا غاية خلق الحياة هي ابتلاؤنا من ناحية حسن العمل، وقد خلقنا لعبادة الله وحده، وذلك رأس العدل والإحسان، وأساس حسن العمل، ثم تتفرع وتقوم الأعمال الحسنة على هذا، جميلة الأساس والمضمون والثمار.
– وليؤتي هذا التصور المنهجي ثمرته، لابد لنا أن نستحضر المعنى الشامل للابتلاء، بما فيه من فرص وآلام، وبذل وكف، وإتيان وترك، ومشقة ويسر، وتعجيل وتأخير، وجزاء وعقاب وإمهال، وكل ذلك من باب الواقعية والحقائق، وإن كانت عجلة النفوس تهرب من هذه النقطة.
فإذا حضر هذا التصور في الذهن، فهم الإنسان ما يرى أنه تأخر للنصر، أو طول للآلام، لأن لهذه الأقدار حكمة تتسق مع طبيعة الدار، فهناك من يبتلى بذلك فيخرج معدنه وتستخرج عبوديته، {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}[3].
– وأيضا لا بد من استحضار ثنائية الدنيا والآخرة، العاجلة الفانية القصيرة والباقية الأبدية، دار الابتلاء ودار الجزاء، وكل ما بينهما من فروق ضخمة هي جزء هام من هذا التصور المنهجي. وهذا أيضا إذا حضر فهم الإنسان أنه ليس لهذه الآلام بقاء، وأن للصبر جزاء، وأن عليه استثمار الدنيا للآخرة.
وهنا أيضا يتسع الأفق، فيعلم العبد أن مصالح الآخرة أعظم، وأن مراعاتها أمر مقدم، ويفهم حينها أن الشرع قد يتضمن تفويت مصلحة هي أدنى بهذا الاعتبار لأجل مصلحة أعلى، فتسترخص الدنيا بما فيها لأجل موعود دار الخلود.
وليس الأمر متعلقا بالأقدار فحسب، بل كذلك بالأحكام، وخذ مثلا حد السرقة، فمع كونه لا يقام إلا لنوع معين من أخذ المال بخفاء بشروط معينة تضيّق وقوعه، ومع كونه يؤدي للردع وتحصيل مصالح كبيرة، إلا أن ثنائية الدنيا والآخرة تُحضِرُ هنا أيضا بعدًا آخر، وهو أن هذا الفقد المستحق لليد فقد مؤقت، وهو بعد التوبة ابتلاء متسق مع طبيعة الدار وهي طبيعة النقص، وسيزول لأن طبيعتها الفناء والقصر.
وهكذا كل ما فيه ألم ومفسدة مؤقتة اغتفرت لمصلحة أرجح، كله يفهم إذا حضرت هذه الأبعاد التي تفرضها طبيعة الدار، مثل ما يكون على الكفار إذا انهزموا وأسروا من ذهاب الأموال وغيره مما يشتمل على ألم نتج عن جرم الكفر والمقاتلة، ولكنه يؤول إلى انتفاعهم هم بدخولهم في حكم الإسلام العادل الرحيم، والتسبب في إسلامهم ورجوعهم بخيري الدنيا والآخرة، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[4].
بل إن أصل التكليف بالواجبات هو عبارة عن اختبار، ووجودنا هنا مرتبط به، فلسنا هنا لنخلد، ولسنا في مقام سيادة على ما في دنيانا، بل قد سخرت لنا كعباد نبتلى بها أنشكر ونطيع عبودية للرب الخالق المنعم أم نكفر، وبهذا نعلم أن ما هنا هو من باب الوسيلة لا الغاية، وأن إنجازات من أنجز في الدنيا على أنها غاية يسود فيها الإنسان خارجا عن نظام العبودية، هي ليست إنجازات تتسق مع طبيعة الحياة، ومهما بدت نافعة من زاوية دنيوية ضيقة، فهي مؤقتة زائلة، وإذا لم يقصد بها التوسل لغاية الوجود، ولم يتعامل معها على هذا الأساس، فليس صاحبها سوى مفتون لا يعقل! {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[5]، وقد ضل عن أكبر حقيقة وانشغل بما لن ينفعه في حياته الأبدية مادام أتاه على أنه غاية في ذاته، لا وسيلة لغاية الخلق {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}[6].
ومن انعكاسات هذه الرؤية، أن تدرك طبيعة النقص فيك وفي غيرك من الأحياء والجمادات، فلا تبحث عن الكمال المطلق، ولكن ابحث عن التكامل الذي يسوقك للغاية، وانظر لسنة التسخير وأنك مكنت لتبتلى، وأن الأنثى تكملك وأنت تكملها، والفقير يكملك وأنت تكمله، وليس في شيء من خلقة البشر ما يوجب الصراع مع بعضهم، بل هو التكامل سعيا للغاية، ذكرهم وأنثاهم، عربهم وعجمهم، إلا من خرج على غاية الخلق، فكان الصراع معه متسقا مع الغاية داخلا ضمن طبيعة الابتلاء، وفي الحديث القدسي (إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك)، وتأمل الاتساق بين غايتي الخلق والبعثة.
إذا تأملت جيدا ما سبق، وتأملت أحوال الساخطين على القدر والشرع، وجدت أنهم يعيشون على أن الدنيا هي الغاية، ويتعاملون معها كأنها دار البقاء، ويسعون فيها للحياة الكاملة، ويزنون المصالح بميزانها لا بالميزان الشمولي الذي يضعها في مكانها، فيعيشون في تنافر مع الغاية الحقيقية، فربنا يريد الدنيا للآخرة وقضى الأقدار والشرائع على هذا الميزان، وهم يعكسون ذلك، فلا عجب أن تتنافر نظراتهم مع سنن الله الكونية وأحكامه الشرعية.
——————–
[1]الملك: 2.
[2]الكهف:45.
[3]إبراهيم:42.
[4]الأنفال: 70.
[5]الملك: 10.
[6]الروم: 7.
أحدث التعليقات