إضاءة منهجية (28): السلّم: العمق الخفي!

كثيرا ما يركز المرء على القشرة السطحية للمواقف والآراء والاستشكالات، سواء كانت أفكارا ومواقف لأفراد أو جماعات أو ثقافات، فيغيب الفهم العميق والمعالجة العميقة المبنية عليه، ومن أبرز الأعماق المغيبة تلك: عمق القيم..

  • إن كل إنسان مفطور على معرفة القيم وتقديرها، كقيمة العدل وقيمة الإحسان، ومن تأمل في نفسه وتعمق في خلفيات مواقفه وأفكاره، وتصفح أفكار غيره من زاوية الأسباب والمحركات، وجد هذا الأمر عميقا متجذرا، يكاد يقف خلف كل المواقف والأفكار التي نتخذها في حياتنا!
  • وإذا كانت أصول القيم بأنواعها معتبرة عند جميع البشر، فإن تفاوت مواقفهم وأفكارهم ترجع إلى تفاوت تقديرهم لآحاد تلك القيم، فبعضها يتقدم على بعض أو يتأخر، بحسب ترتيبها في سلم أولويات كل شخص، وخاصة عندما تتعارض.
  • وأعظم صور تقدير القيم وأشدها تأثيرا في المواقف والأفكار هو اتخاذ القيم العليا التي تتقدم على غيرها، وهذا أصل التباينات الحادة بين النظم الفكرية، ويبرز خصوصا بين الإسلام وغيره، ومع ذلك فهو مغيب عند تحليل الأفكار والانحرافات ومعالجتها!
  • وخذ المثالالأهم التالي على ذلك، وهو التباين الحاد بين ما يلي:

قيمة تعظيم الله واعتبار العبودية الخالصة له غاية الخلق.ويتبع ذلك اعتبار القيام بحقه وطاعته والتسليم له أعظم حق، والكفر به أعظم جرم وظلم.

 قيمة تعظيم الإنسان لذاته واعتباره مركز الوجود وسيده، واعتبار أن له حقا مطلقا بغض النظر عن موقفه من خالقه وسبب وجوده سبحانه، وبغض النظر عن تحقيقه لغاية وجوده.
ويتبع ذلك تعلية قيمة حريته فوق قيمة العبودية لله والعدل بمعناه الشامل الصحيح، واستنكار كل ما يقيدها ويعاقب على أساس حق الله، واختزال العدل في المساواة، وإبعاد الإخلال بحق الله والمفاسد الدينية عن دائرة الظلم والجرم.

وبناء على هذا التباين في ما يعتبره كل طرف قيمة عليا، نجد التباين ظاهرا في المواقف المتعلقة بقضايا الإلزام بالشرع، فيقف كل طرف في جهة معاكسة للآخر عند الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعقوبات على المعاصي والحدود ونحو ذلك، وربما اتجه التبرير والنقاش لتفصيلات، وبرر من يعارض بمبررات لها مظهر شرعي، كالقول بأن الإلزام ينتج النفاق، ويرد الآخر بإيراد نصوص تتعلق بعين القضية.. وحق له ذلك، لكن حقيقة الخلاف تكمن في القيمة العليا، فهذا يعتبر الإنسانية قيمته العليا والحياة مؤسسة على سيادة الإنسان وحريته بعيدا عن هيمنة الدين والخضوع لأوامر الرب.. والمفترض هنا أن يقال له: على أي أساس تتخذ هذا قيمة عليا؟ أين حق خالقك؟ ويتم تعميق المعالجة في منطقة صدام القيم وصولا إلى بناء القيم العليا على البراهين والاتساق مع غاية الوجود، ثم ترتيب سلم الأولويات للقيم تبعا لذلك.

ويمكن أن تجرى هذه المعالجة العميقة على محورين:

المحور الأول:إدراك هذا العمق الخفي والشعور بأهميته وسعة تأثيره، وضرورة فحص القيم وتنقيحها بالتصحيح والإبطال والترتيب. وهذا ما تحدثنا عنه حتى الآن.

  • المحور الثاني:إدراك مرجعية القيم ومعيارها الصحيح الذي يمكن أن تحاكم إليه، وما الصفة التي يلزم توفرها لذلك المعيار؟

 

وهنا لا بد أن نقرر أولا ضرورة وجود المعيار المطلق، أي أن نستند الشيء يصلح كدليل في نفسه، ولا يكون نسبيا يختلف من شخص لآخر، وإلا وقع التفاوت في نفس المعيار ولم يعد حاكما بل يحتاج لما يحكمه، فلم يعد معيارا! كأن يكون المعيار هو القيمة السائدة في مدرسة فلسفية معينة أو حضارة معينة، كقيمة الحرية مثلا، فهي ليست على إطلاقها ويتفاوت الناس والثقافات في تقدير حدودها ومدى تقييدها، فتحتاج لما يحكمها ويكون معيارا لها، وإلا بقينا في نسبيات لا تنتهي.

فما هي المعايير المطلقة إذا؟ لدينا بعض القيم المطلقة مثل العدل والإحسان، هذه تصلح كمعايير، لكنها مجملة، أي قد نحتار أو نختلف في تفصيل تنزيلها على الوقائع، لتعقيدات الواقعة وقصور العقل البشري خاصة عندما ينزل لمستوى التفصيلات الدقيقة،، وبهذا هو معيار لكنه لا يكفي لوحده.. إذا ما السبيل؟

هنا لدينا معيار الوحي، حكم الله تعالى الذي يتصف بالكمال المطلق والعدل المطلق والحكمة والعلم المطلق، وقد لبى سبحانه برحمته حاجتنا نحن الضعفاء إليه، فأنزل الكتاب بوحيه وأمره وأرسل الرسل يبلغون عنه.

 هذا هو السبيل الوحيد لتصحيح منهجيتنا في التفكير وتخليصها من المقدمات الفاسدة، وتحديد قيمنا العليا وترتيب سلم القيم لدينا وفق رؤية ربانية وضح الوحي معالمها، وبدون ذلك لن يستطيع أحد أن يؤسس لرؤية صحيحة يحتج بها، وسيغرق الناس في النسبيات وتتنازعهم الهواء وتعارض ترتيباتهم للقيم بحسب نزعاتهم ومصالحهم الشخصية والجماعية المنحازة للفئة.
وحتى لو لم يثمر استحضار هذا العمق في بعض نقاشاتنا، فسيقطع الطريق على من يعترضون على الأحكام الشرعية بتبريراتهم القيمية النسبية التي لا تنبني على معيار صحيح، وستنكشف هشاشة مواقفهم وتبرز حقيقة انحرافهم.