إضاءة منهجية (27): تضخم إصلاح الواقع!
لا شك أنا نعيش واقعا مؤلما نحن المسلمين، ولا شك أن كل مخلص يضع إصلاحه في رأس أمنياته، وكل قادر صادق يضع ذلك في أعلى أولوياته.
ولا شك أن من سنن الله أن تكون العاقبة للمتقين، وأن من فروضه أن نسعى ضمن الوسع لتحقيق العدل والدعوة للخير..
ولكن..
ليس الوصول لصلاح الواقع العام للخلق في مدة حياة الشخص المعين رؤية وجودية، أو بعبارة أخرى ليست هي غاية الخلق التي لا بد من تحقيقها في حياة كل إنسان بعينه! بل لم تخلق الدنيا أصلا ألا دار ابتلاء، ولهذا تدور أحوالها صعودا ونزولا في الصلاح وضده، لتدور عجلة الابتلاء، ثم تنفصل هذه الاختلاطات وتتميز الأحوال في دار أخرى أعدت للجزاء.
– ولتصحيح الرؤية المنهجية في هذا الموضع علاقة وثيقة بعالم الأفكار، فالضغط النفسي الذي يشعر به الإنسان تجاه الواقع، يؤدي لانكفاء عميق وتفكير مضن في المستوى النظري، ويقود كثيرا من الناس لمحاولة إيجاد الخلل في المعارف وأدواتها، لأنه يشعر أن ثمة مخرجًا لا بد أن يوجد في هذا المستوى يخرجنا بالتصحيح المعرفي من مأزق الواقع العملي.
وهذا الانكفاء قد يفيد فعلا، وقد يكشف مواضع هامة من الخلل وفرص التصحيح، ولكن هو أيضا من مزالق الانحراف من جهتين:
الجهة الأولى:أنه قد يحرف النظر عن كمون الخلل في الواقع الخارجي، ويوجهه وجهة خاطئة لحتمية وهمية، يظن الناظر معها أنه لا بد من كمون الخلل في الأسس المعرفية، في حين يكمن الخلل في مؤثرات واقعية تحتاج للفعل والتأثير والأخذ بالسنن العملية الكونية، ولا يجدي معها التنظير المجرد مهما بلغ حجم التغيير المعرفي فيه، وهنا تقع انحرافات كبيرة في الفكر، وقد يكون ذلك نوعا من الهروب من صعوبة وتعقيد الواقع وتبعات التغيير الحقيقي الضخمة في المستوى العملي.
الجهة الثانية:أنه كما أن الخلل النظري -الذي قد يوجد فعلا- ليس حتميا أن يكون هو مفتاح التغيير، فكذلك ليس من الحتمي أن يقع التغيير أصلا في المدى المنظور، ففي حقبتك الزمنية أيها الإنسان المعين قد يكون أفق رؤية التغيير المنشود منسدا بالفعل، ويتطلب من الوعي الواقعي والعمل ما يفوق قدرات جيل واحد.
– وإذا لم يدرك الإنسان انتفاء الحتمية في الجهتين (حتمية الخطأ في الأسس النظرية وحتمية التغيير في المدى المنظور)، فإنه سيخرج بمعيار زائف يمثل خللا منهجيا خطيرا، وهو معيار الفشل في التغيير.
– هذا الحرص على وقوع التغيير والإصلاح الواقعي إذا تضخم ووصل في ثنايا النفس إلى مرتبة الرؤية الوجودية، وكأننا خلقنا لأجله وبدونه ضيعنا غاية وجودنا، يتحول لمعيار يحاكم الإنسان له المعارف، فيعود بالتشكيك لتاريخ الأمة العلمي بل وربما لمصادرها المعرفية ومنهجياتها، أملا في أن يكون ذلك مفتاحا للحل المنشود الذي يرى إمكان تحققه في حياته حتميا أو كالحتمي.
–ولذلك يهاجم بعضهم السلف الصالح من منظور مجريات أحداث زمانهم السياسية، إلى درجة أن بعض المهووسين قرر أن القرن الأول هو أسوأ القرون الثلاثة!! ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، نعوذ بالله من عمى البصيرة.
والبعض الآخر يستعد لقبول مناهج فكرية معاصرة سواء اتجهت للغلو أو للتمييع، فقط لأنها أكثر زخما وسرعة في جانب التغيير، وربما تغاضى أو هون من الانحرافات المعرفية مهما كانت ضخامتها لأجل ذلك، وربما خلط بعضهم هنا بين أن التعامل مع بعض الواقع قد يدخل فيه مساحة من مراعاة المآلات والترجيح بين المصالح المتعارضة، وبين قبول ما يتضمنه ذلك الواقع من معارف ومناهج معرفية، ولا تلازم حقيقة بين الأمرين.
الحاصلأن التغيير وإصلاح الواقع همٌّ وطموح بل وواجب كل مسلم بقدر استطاعته، ولكن غاية خلقنا هي عبادة الله وحده بمعناها الشامل، الذي يشتمل ضمن مشمولاته على السعي في الصلاح والإصلاح، لكن ليس بتوهم هذه الحتميات التي تشكّل هذا المعيار الزائف وتقود للانحراف استعجالا للخلاص.
أحدث التعليقات