إضاءة منهجية (26): مه يا متخصص!
بعضهم يتخصص في الفلسفة لأغراض علمية مع خلفية عقدية قوية تحصنه، ثم ينسى أن غيره في العموم لا يقرأ قراءته النقدية ولا يملك مقدماته التحصينية، فيفتتن بسواليفه عن جولاته الفكرية في ذلك المجال المليء بالضلالات، لا سيما وهو يمجد في هذا الفيلسوف الضال لأجل نقده للحداثة، وينثر الثناء على ذاك لأنه تناول الحياة الغربية بالنقد في دراسة، حتى يبلغ الأمر ببعضهم أن يضفي عبارات التعظيم ويقدم هؤلاء الذين لا يعقلون كرموز للفكر في أوعية النشر التي يقرأها غير المتخصصين، فيا لغربة الحكمة بين هؤلاء المفتونين بتقريرات الآخر!
نسي هؤلاء أن أولئك إنما يمدحون من جهة موافقتهم للحق، فالحق الذي ينبوعه الوحي هو أصل كل مقولة صحيحة، فما بال المزاج لا يستسيغ إلا رطانة الفيلسوف، وما بال الوسيلة التي قد يسوغ طرقها أحيانا توضع في قالب الغاية! فلسنا ننكر هنا أن الحق يقبل أيا كان قائله، لكن ننكر التركيز على نقله من فم أولئك القوم مرارا وتكرارا، مع التفخيم والألقاب وأساليب صناعة الرموز!!
- مه يا أفاضل، ما هكذا تورد الأبل..
- ومه يا متخصص.. إنما أنت في حالة ترخّص، وأصل دخولك فيه هو للتوسل بذلك لنقد فساد مقولاته وكشف تلبيساته عند الحاجة، فلا تجعل تناولك للوسيلة بطريقة تقلبها لغاية، ولا تصوّر حالتك الاستثنائية كحالة أصلية، ولا تقلب وضعك النخبوي لوضع نموذجي يعجب به العام والخاص، ولا تُصوّر أو تحول تلك العلوم التي يغلب ضررها على العامي ويقل نفعها إلى مادة لذيذة تتباهى بها في وسائل التواصل وتسوقها مساق النافع الذي حقه النشر والرواج.
وحتى إذا نظرنا للأمر من زاوية العمق في المعاني والتفكير، وحتى إذا قلنا أن هؤلاء إنما يكتبون للنخب المتعمقين، فإن سلوك البعض يشعر بأن هذا العمق موطنه هذه الفلسفات، فمن لم يردها فقد تغرَّب عن ذلك وأبعد، وما أبعد هذا عن الحقيقة، فموطن المعاني العميقة إنما هو الوحي، وحقائق الوجود هي موضوعه الأكبر، وهو الموصوف بالحكيم ومنه تتفجر الحكمة وينهمر غيثها على المتدبرين، فمال هؤلاء إذا وردوه عجلوا عنه متخففين، وإذا جاؤوا غيره عكفوا عليه متبتلين، فنعوذ بالله أن نكون من المخذولين، أو إن يضل سعينا في الحياة الدنيا ونحسب أننا من المهتدين.
أحدث التعليقات