إضاءة منهجية (10): أزمة ثقة !

لدينا اليوم أزمة ثقة، أو بصياغة أدق: افتعال أزمة ثقة، تفتعل لتضرب الثقة بالدين في صميمه بطريقة ملتفة قد تمر على الإنسان دون الانتباه لطبيعتها الهدمية الشاملة، ليظن أنه بصدد طرح نقدي تشكيكي جزئي، لا يتعدى الجزء، ولا يخرج عن دائرة التصحيح، وهذا كل ما في الأمر!

وقد تحدثت في منشور سابق عن  نقد الموروث وشناعة اللوازم وبينت فيه أن تخطئة المجمعين باسم نقد الموروث يلزم منه لوازم باطلة عقلا، ولوازم شنيعة تتعلق بالقرآن وما فيه من صفات وأخبار، ومثل هذا التبصر في لوازم القول هو ما يجب التنبه له في سياق أزمات الثقة التي تفتعل بعمومها.

أزمات الثقة التي تفتعل اليوم متنوعة:
– بعضها يتعلق ببيان القرآن وإحكامه وهيمنته وشموله لعموم الأحوال.
– وبعضها يتعلق بحجية السنة وعمومها.
-وبعضها يتعلق بنقلها والثقة فيه، أو بالناقلين من رواة ومؤلفين، أو بالموثقين والناقدين للأسانيد والمتون ومناهجهم في ذلك.
– أو بالتشكيك في ديانة وأمانة من تصدوا من علماء الأمة لبيان دلالات الوحيين وفقههما وتنزيلهما على الوقائع. إلى غير ذلك من صور التشكيك.

إن افتعال هذه الأزمات لا يخرج في تناوله لتراث الأمة عن جانبين:
– جانب الاجتهادات غير المعصومة.
– وجانب ما اجتمعت عليه الأمة.

أو لنقل: جانب الجزئي وجانب المجموع، ولعبة هذه الافتعالات هي أن تأخذ مظهر تناول الجزئي بأطروحات حقيقتها الطعن في المجموع المعصوم!

¡ولنضرب لذلك مثالًا لكشف هذه الألاعيب:

يقول لك المتلاعب: العصمة للقرآن، وأما السنة فدونه في الثبوت.
ويبدأ في رمي شبه متنوعة كما سبق وأشرنا..

فنقول:بغضِّ النظر عن تفاصيل تلك الشبه، يدرك المتبصر أن هذا الطرح ليس كما يبدو جزئيا في تناوله، بل هو يعود بالنقض على المجموع، إذ بإسقاط الثقة في نقل السنة بصورة تجعل التحقق من صحتها أمرا ممتنعا أو غير معياري خاضع للأهواء والانتقائية والقوالب الخارجية الجاهزة، يعود الإسقاط على حفظ القرآن وهيمنته، لأن السنة بيان القرآن كما قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}[1]، كما يعود ذلك بنقض أصل طاعة الرسول التي هي طاعة لله {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[2]،{مَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}[3]، ويسد باب الاهتداء {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}[4]والتأسي {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[5]، فالتشكيك الذي يجعل السنة كلها محل تشكيك وضياع، يعود بالتشكيك على القرآن والأصول الشرعية التي دل عليها.

  • كذلك التشكيك في حفظ الصحابة والتابعين للسنة عبر إثارة موضوع تأخر التدوين لقرنين، مع أن التدوين ثابت مستفيض قبل ذلك (انظر عن كثرة التدوين خلال المئة والخمسين عاما الأولى: )، وهو على أية حال ليس وسيلة الحفظ الوحيدة، لكن مربط الفرس أن هذا التشكيك الذي يبدو إشكالا جزئيا منعزلا يعود بالطعن على أمانة مجموع الصحابة والتابعين، بما يسقط الثقة في نقلة هذا الدين بجملته، فانظر كيف تثار الطعون الكبيرة بهذه الأساليب الملتوية الخبيثة!
  • وقل مثل ذلك في الطعن في منهجية المحدثين في نقد الأسانيد والمتون وتصويرها بصورة سطحية، رغم تعقيدها وشموليتها وعمقها ودقتها، وذلك من تجليات حفظ الله للسنة التي هي بيان للقرآن (انظر لفكرة عن ذلك )، فيصور لك المتلاعب أن الموضوع متعلق بجهد بشري، ويحاول أن يستغفلك عن خصلة الخيرية وعصمة المجموع التي تقتضي حصول الحفظ بمجموع ما ألهم الله هذه الأمة لابتكاره وتفعيله من مناهج التوثيق والنقد الفريدة التي لم تسبق لها أمة!

 

  • وقل مثل ذلك في طعن الفقهاء وتصويرهم بأنهم عصابات قامت بمؤامرة تاريخية غيبت الأمة عن حقائق دينها (انظر إضاءة سابقة عن ذلك )، دون أن يفلت أحد من هذه المؤامرة فيكشفها بهداية من كتاب الله ﷻ وقولة حق ينجو بها يوم القيامة، فيصور لك الأمة عمياء متخاذلة اجتمعت على الجهل والتآمر، وكأن الصحابة لم يحفظوا الدين ويبلغوه ولم يربوا تابعيهم عليه، فلا زالت حلقات الظلام مستحكمة حتى جاء سكارى التأثر بالفلسفات الغربية لينقذوها بزعمهم!

 

الحاصلأخي القارئ، لتنقض كل هذا الهراء، اعكس الآية، وابدأ من القرآن العظيم، واعتقد ما فيه من أصول، واجعل حفظ نقله وحفظ بيانه منطلقا، تجد أن ما أجمعت عليه الأمة هو سلسلة قوية مترابطة تتسلسل معك بنقاء، وستجد أن كل تشكيك يورد هو مغالطة لو بحثت جيدا في ما يقابلها لوجدت أنها تنطلق من جهل أو تجهيل بعظمة هذا الدين وعظمة ما خلفه حملته بمجموعهم، وستكتشف أنه لولا الجهل بذلك لما راجت أزمة ثقة! وأنها حقيقة أزمة جهل! فثق بدينك وحفظه وبما اجتمعت عليه أمتك. والحمد لله رب العالمين.

 —————————

[1]النحل : 44.

[2]النساء : 80.

[3]النساء : 64.

[4] النور: 54.

[5] الأحزاب: 21.