إضاءة منهجية (7): دور العقل
يقع تصور دور العقل وحدوده في صميم موضوع ضبط المنهج، والذي يؤدي الخلل فيه لآثار منهجية معرفية ضخمة، من أبرزها عند من يغلون في تصور العقل ودوره: اعتبار الرجوع للعقل كمرجعية ومعيار مركزي أمرا حتميا، مع تهميش مضامين الوحي والتسلط عليها بالرد أو التحريف لمضامينها الصريحة.
وفيما يلي عدة نقاط تعالج هذا التصور المغالي:
أولًا: هناك شرط ضروري لما يصلح لاتخاذه مرجعا ومعيارا لتمييز الصواب والخطأ، وهو ضرورة أن يعطي أحكاما مطلقة تصلح بإطلاقها لمحاكمة القضايا إليها، إذ بدون الإطلاق ستكون هي محتاجة لما يثبتها، فلا تكون هي بذاتها المعيار.
ودعونا نوضح معنى هذا الشرط مع بحث توفره في العقل بالمثالين التاليين:
- مثال١:يحكم العقل بقبح الظلم بصورة مطلقة، فيمكن أن نقول أن العقل معيار في مثل هذه القضية الإجمالية، إذ لا تختلف العقول فيها وتقضي بها قضاء ضروريا، لكن ماذا لو نزلنا للمستوى التفصيلي لنتناقش في نوع معين من المعاملات المالية هل هو ظلم أولا؟ ستتنازع العقول ونجد أن لا معيارية حقيقية فيها، لأنها خرجت من مساحة الإطلاق الضرورية المشتركة، إلى مساحات النسبية والنظرات الخاصة المتفاوتة، والتي تنشأ من تجارب عقلية محدودة بدائرة حياة الإنسان وخبراته، وتفتقر للحسم إلى أمر خارج عن مجرد العقل الخاص، يكون مصدره العلم المطلق (الوحي).
إذًا من خلال الشرح والمثال السابق نجد أن ثمة مشكلة في التطرف في النظر لدور العقل وقدرته المعيارية، فثمة من يغلو ويجعله معيارا بإطلاق، وثمة من يجعله في الطرف المقابل محدودا بنسبية مطلقة! وهو طرح النسبية الذي لا يتفق مع التصور الإسلامي (الحق/الباطل)، كما أنه قبل ذلك ذاتي الدحض، أي يدحض نفسه، فالنسبية المطلقة أمر مطلق لا نسبي! ومن يقول: الحقيقة نسبية ولا توجد حقائق مطلقة! نقول له: قولك نسبي وليس حقيقة مطلقة!
- مثال٢:ندرك -كما سبق- بالعقل أن العدل حسن والظلم قبيح، وهذا الإدراك صحيح لأنه يستند لقيمة مطلقة فطرية أودعها الله في عقولنا، لكن لو بحثنا بالعقل وحده في بعض صور ومقادير العقوبات، فيتصور أن يقول بعضنا بأنواع ومقادير ويخالفه الآخرون في مناسبتها أو كفاية مقدارها، فحيث يدعي البعض أنها كافية في ردع الجريمة، سيرد آخرون بأنها لا تكفي، أو أنها قاسية ويغني عنها غيرها، فيدعي آخرون بأنها لا تغني، وهكذا تموج الآراء في نسبية لا تنتهي لسبب بسيط، وهو أن العقل نزل لمستوى تفصيلي تتنازعه العقول تنازعا لا ينحسم إذا لم تستند لمرجعية مطلقة، ولا وجود لتلك المرجعية في ذات العقل استقلالا، بل توجد فيما دل عليه العقل من مرجعية الوحي المطلقة، لكونه من عند الله، الذي وسع كل شيء رحمة وعلما، فحكمه هو الحق وحده سبحانه وهو أعلم بما يصلح خلقه.
يتضح مما سبق أن شرط الإطلاق يوجد على مستوى الضرورات والأحكام المطلقة، ويفقد مع النزول للتفصيلات، فيفتقر العقل لمرجعية تكون في نفسها مطلقة، تصلح معيارا يتحاكم له العقل في تلك التفصيلات (الوحي).
ثانيًا: نقول بناء على ما سبق: مساحة الإطلاق في العقل موجودة، لكنها مساحة محدودة، تكاد تنحصر في ضروريات العقل (كمبدأ السببية واللاتناقض) والأحكام المطلقة كالأربعة عدد زوجي لقبولها القسمة على اثنين، والأخلاق المطلقة كالعدل بمفهومه العام، وما ينبني لزوما بصورة قطعية على هذه الضروريات، وهذه المساحة المعيارية تتناول القضايا الإجمالية الكبرى، ثم تنتفي كل ما اتجهنا لمستوى التفصيلات، ويحل محلها النسبيات اللامعيارية (آراء ووجهات نظر نسبية)، والتي تمتزج بالتحيزات والعواطف والانطباعات النسبية وغير ذلك، وبالتالي فإنه يتضح لنا أمران:
– الأمر الأوّل: أنّ ما يطلق عليه عقل ليس كله شيئا واحدا، بل منه مطلقات قطعية ومنه ظنيات ومنه أوهام ومزاجات وأذواق، فهناك عقليات مطلقة ضرورية مشتركة، وهناك نسبيات خاصة متفاوتة، وهذا ينافي التصور المغالي في العقل الذي يصوره شيئا واحدا معياريا وموثوقا بإطلاق.
– الأمر الثاني: ضرورة الإنسان للتشريع الإلهي وبقائه لصلاح البشر المفتقرين إليه، وهذا ما لبته الشريعة التي أنزلت عامة لكل زمان ومكان وكفل الله ﷻ حفظها.
ثالثًا: في ظل ما سبق، دور العقل مع الوحي هو أن يدرك ابتداء صحة الرسالة بمساحة الإطلاق التي لديه، فصحة الرسالة تنبني على ضرورات العقل من السببية وإدراك التلازم في الأدلة والآيات التي بثها الله تعالى وأنزلها نورا وهدى للناس، ثم يسلم للوحي مرجعا ومعيارا مطلقا لكونه من عند الله تعالى، الذي له الحكم المطلق والعلم المطلق والعدل المطلق، ويوظف أدواته لفهم وحيه وتنزيله على الوقائع، وهذا ما استفاضت الآيات بالدعوة إليه وبيان أنه محور مركزي للرسالات.
بهذا يتحقق التوازن في نظرتنا للعقل مع الوحي وينضبط استعماله منهجيا، في ظل معرفة بحدوده ووظيفته واحتياجاته، وبهذا يسقط ما يروج هذه الأيام من تسليط ما يظن أنه عقل معياري من النسبيات والعقليات الخاصة على نصوص الشريعة ردا وتحريفا باسم العقل!
—————–
سيقول بعضهم: هذا تقليل من دور العقل، فلا يكون له دور سوى التسليم للوحي!
والجواب: هذا الضبط المنهجي ليس تقليلا أبدا، وخذ هذا المثال ليتضح لك ذلك: عندما يدلك نظرك العقلي لاختيار طبيب حاذق، فهل أخذك بعد ذلك بما يقرره لك من علاج بالقبول دون معرفة بالتفاصيل والخلفيات الطويلة للتشخيص والعلاج، هل هذا منقصة للعقل؟ أم هو عين العقل!
إنه لا شك عين العقل،إذ كيف يحاكم العلم للجهل؟! فلله المثل الأعلى، كيف نحاكم علم الله لعلمنا نحن بمحدوديته، ولعقولنا بنسبيتها، فضلا عن ما يفعله البعض من المحاكمة لأوهام مشبعة بالأذواق الغربية والهزيمة النفسية، أو فلسفات تؤله الإنسان وتجعله مركز الوجود تحت مسميات كالإنسانية، وتطغيه وتحاول رفعه عن الخضوع لحكم ربه باسم الحرية.
——–
سيقول بعضهم لاجئا للوحي كملاذ أخير! : إن القرآن أورد العقل كثيرا في سياق المدح، فأين تذهبون عن ذلك!؟
فنقول:دعا القرآن لإعمال العقل الذي فطره الله وفطره على البناء على الضرورات العقلية ليهتدي لخالقه ويخلص له عبادته، فينظر في آيات الله ﷻ الكونية والشرعية فيهتدي لاتباع ما أنزل الله ﷻ وإسلام النفس له والسمع والطاعة لأمره والتسليم لحكمه، وهذا صريح القرآن يدعو لذلك، فأين منه هذه الدعوات لحرف العقل عن مساره إلى ظلمات لا يبصر فيها، فليس كل مبصر يبصر على كل حال دون نور واتباع.
ثم إن العقل في القرآن إطلاق شمولي يتناول عقل النفس وإلزامها التسليم والطاعة لله، ومنعها عن الانفلات في مجاري الهوى والشهوات، فالعبادة عقل واجتناب ما يغضب الله عقل وتقديم الآخرة على الأولى عقل، فأين هذا من ذلك الاختزال للعقل بل وإقحامه بالغلو فيه إلى ما لا يملك فيه إلا التسليم في افتقار للوحي.
نسأل الله أن ينير عقولنا ويرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه.. والله ﷻ أعلم.. وصلى الله على نبينا محمد.
أحدث التعليقات