رعاية القرآن لنفسية المؤمن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد..

رعاية القرآن لنفسية المؤمن وحفظها من التأثر السلبي بحال المعرضين عن هذا الدين أمر ظاهر، ومن ذلك:

? يؤكد القرآن على أن الدنيا دار ابتلاء، يقول تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} [الملك : 2]، ولذا فليس مما يتوقعه المؤمن أن ينقاد الجميع لأمر الله تعالى، ولا أن يحال بينهم وبين الفساد والإفساد، بل قد يمهل الكافر. قال سبحانه: {.. أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد} [الرعد : 31].

?فالدنيا ليست دار الجزاء الكامل كي يوقع بالكافرين كل ما يستحقون، وإن كان يصيبهم شيء من ذلك، وكذلك ليس من المتوقع أن يتحقق كل معنى للعزة والنصر والتمكين في الدنيا دفعة واحدة لكل مؤمن.

?ويؤكد القرآن أن الذي على المؤمنين البلاغ والإنكار والنصح وإقامة أمر الله ومدافعة ما يخالفه بقدر المستطاع، ثم لا يضره من ضل، ولا ينبغي له ان يذهب نفسه على المعاندين والمعرضين حسرات. قال تعالى: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} [النحل : 82]، وقال: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون} [المائدة : 105].

?ويصور القرآن دوافع الانحراف من هوى وكبر وحسد وإيثار للحياة الدنيا وشهواتها، ومن فوائد ذلك أن لا يشعر المؤمن بأن الخلل هو في الرسالة أو في التبليغ لها من طرفه، فتسكن نفسه ولا تذهب حسرات أيضا. ففي الهوى قال تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين} [الروم : 29]، وفي إيثار الحياة الدنيا قال تعالى: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد} [ابراهيم : 3]، وفي الاستكبار قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} [البقرة : 87]، وفي الحسد قال تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} [البقرة : 109]

?ويأمر القرآن بالتسبيح والسجود والتقرب، ليكون مصدر راحته وطمأنينته بعيدا عن الأحوال المتقلبة التي تقتضيها سنة الابتلاء، كما قال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98)} [الحجر : 97-98]، وقال: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} [العلق : 19]

?ويؤكد القرآن على أن العزة لله جميعا، فمن يريدها فمصدرها عنده، يقول تعالى: {ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم} [يونس : 65].

?ويعرض قصص الأنبياء والمصلحين في مواجهتهم أعتى صور الطغيان واشد صور الانحراف، وهم مع ذلك مستعلين بإيمانهم واثقين بوعد ربهم، فهذا هود يتحدّى بعزّة افتراء قومه كما قال تعالى: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55)} [هود : 54-55]، وقال تعالى: {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} [يونس : 71]، ولمّا آمن السحرة وتوعّدهم فرعون {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} [طه : 72]، وهذا موسى يخاطب أصحابه بما يبعث فيهم العزّة: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف : 128].

?ويصور القرآن الدنيا بصورة الذبول وسرعة الانقضاء، يقول تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} [العنكبوت : 64]

?ويصور الآخرة بصورة القرار والإقامة الدائمة وكمال النعيم أو الخسران المبين، قال تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36)} [فاطر : 34-36]، لتتعلق نفس المؤمن بالآخرة ويستخف بما يجري في الدنيا من اغترار المنحرفين بتمكنهم المؤقت من إنفاذ انحرافاتهم وضلالاتهم، مع تصويره مشهد شفاء صدور المؤمنين من الكافرين وحمدهم عاقبة صبرهم وفرحهم بحسن العاقبة بجوار ربهم. قال تعالى: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين} [الأعراف : 44]، وقال: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36)} [المطففين : 34-36]

?ويصور القرآن دواخل نفوس الكفار والمعرضين فيطلع المؤمن على حقيقة ما هم فيه من الغيظ والصغار وضيق الصدور وإفلاس الحجج وعدم العقل والشبه بالأنعام وغيرها من صفات الحقارة، مما يكشف حقيقة وحجم الفرق الهائل بين عز المؤمن الباطن وذل الكافر الباطن حتى لو بدت العكس في الظاهر لمن لا يفقه. قال تعالى: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} [آل عمران : 119]، وقال: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام : 125]، وقال: {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} [الحشر : 14]، وقال: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان : 44]
هذا كله مع وعد الله تعالى بأن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه، كما جاء في الحديث عند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال : (حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)، ومع بيانه قدرته سبحانه وسنته في الظالمين بين إمهال واستدراج ومكر وأخذ على أشد حالات الاغترار والقوة الوهمية، قال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام : 44].

?ومع أمره تعالى بالتوكل ووعده بالكفاية لعباده وتوليه أمورهم ونصرتهم وعزتهم، وهو أمر مستفيض في القرآن، ويكفي قوله تعالى: {ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم} [محمد : 11].

فمع هذا كله وغيره لا مجال أبدا أن نشعر بالهزيمة، وأنّ انتفاش الباطل هو أكثر من فقاعة هواء ووهم واستدراج، فلينتفشوا كما شاءوا، فأمر السماوات والأرض بيد من نتولاه ويتولانا ويكفينا شرفا وعزا انتسابنا له بالعبودية، ويكفي الباطل ذلاً انتسابه للدنايا.. فالله أكبر والحمد لله