من عظام الأمور التي يقع فيها الكثير: اتخاذ غير الشرع مطاعًا مطلقًا
من عظائم الأمور التي يقع فيها كثير من الناس وكأنهم لا يشعرون، اتخاذ غير الشرع مطاعا مطلقا والتقديم على الشرع، وقد كان العلماء كثيرا ما يتناولون هذه المسألة ويمثلون لها بالغلو في اتباع آراء الرجال، مع أن آراء الرجال من الفقهاء ونحوهم إنما هي اجتهادات حاول أصحابها الرجوع للشرع، ولم تصدر منهم عن منازعة ولا دعوا أو رضوا بأن تتبع اتباعا مطلقا، بل ردوها للشرع وقيدوها بموافقته.. فكيف بما لم يصدر عن اجتهاد شرعي، كبعض العادات الفاسدة، بل كيف بوضع أحكام ملزمة غير صادرة عن اجتهاد في الشرع لتكون مطاعة مطلقا ومتسيدة يخضع لها مطلقا! فتقديم هذه مطلقا أشنع من تقديم آراء الرجال الذي يدخله التأويل بأنه رجوع للشرع واتباع لأمره.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين:
” أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه. والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله”.
فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته”.اهـ
أقول: سر الأمر -والله أعلم- أن تدرك أن الحكم المطلق الذي لا يعقب عليه ولا يرد منه شئ هو من خصائص الربوبية {ألا له الخلق والأمر}، ومقابلته بالخضوع المطلق والتسليم هو صميم العبودية {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}
ومن هنا يجب أن ننزل المخلوق منزلته ويكون أمره مقيدا لا مطلقا، وطاعته مقيدة بطاعة الله ، كما قال ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) ، وكثير من الناس ينزل هذه القاعدة على العلماء والفقهاء الذين إنما يجتهدون لإصابة حكم الشرع -وهذا حق- ثم يتنكبونها تماما في ما لم يوضع على أساس اجتهاد في الشرع أصلا!!
وتحصل هذه المسألة المؤسفة كثيرا عند المطالبة بحق أو إنكار منكر، فيمتنع بعض الناس محتجين (احتجاجا) بأن المتعارف عليه كذا وكذا.. عافانا الله ﷻ والمسلمين من هذه الشناعات والفتن الخطيرة .
{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور : 51]
أحدث التعليقات