وقفات مع مشكلة غياب عمق وشمول التأصيل الشرعي عند المهتمين بالمجال الفكري
تقود التحديات الجديدة إلى بروز اهتمامات علمية تتجاوب مع تلك التحديات، وقد تتضمن تلك الاهتمامات بعض التغير في أولويات التعلم، ودخولا في بعض المعارف التي تكشف حقائق الواقع وتجلي مكامن الخلل في الطرح المخالف وتساعد على نقده
وهنا يجب الانتباه إلى ضرورة تمييز منزلة تلك المعارف ووضعها في مكانها الصحيح دون مبالغة، فهي وسائل يرجع تحديد مقدار الدخول فيها إلى قدر الحاجة، وإلى الموازنة بينها وبين أولويات العلم الأخرى، وقد تحدثت عن شيء من ذلك في محاضرة (نحن والأولويات)
كما أن الدخول في بعض المجالات المعرفية يحتاج إلى تأصيل شرعي شمولي، لأن معارف تلك المجالات نشأت من منطلقات فلسفية غير متطابقة مع الرؤى الصحيحة التي ينطلق منها المسلم، وهذا ما يغفله كثير من الناس حين يظن أن تلك المجالات تقاس بمخرجاتها النهائية بطريقة استبعاد بعض المحذورات الشرعية فحسب، فينصبُّ النقد الشرعي على قياس الموافقة في المخرجات دون الالتفات للمنطلقات والسياقات الفلسفية، أو دون وعي كاف بذلك وبما يقابله من رؤى صحيحة في الإسلام، وقد تطرقت لما يوضح شيئا من ذلك في محاضرة (كمال المنطلقات العلمية في الإسلام)
وتمس الحاجة أيضا لمن سيتوسع في دخول تلك المجالات إلى عمق التأصيل الشرعي، وبعض الناس يظن أن ذلك يحتاج لتكوين شرعي مبدئي فحسب، ثم يكون التوسع في بعض مجالات ما يعرف بالعلوم الإنسانية، وقد شرحت سابقا أن الفكر يرتبط بالإدراك العميق للمعارف الشرعية، وأن الظن بأن الفكر يبنى بمجالات معرفية أخرى بعيدا عن ذلك العمق هو ظن فاسد، وذلك في محاضرة القراءة الفكرية.
وقد شاهدت في الواقع نماذج كثيرة لمن اهتموا بمجالات الفكر بحماس دون تأصيل شرعي واسع عميق، أو دون اهتمام بالعلم الشرعي بالمعنى الأصيل الذي يزكي النفس وينعكس على السلوك، فلاحظت مظاهر لا تحمد من انحرافات السلوك التي تستغرب في طالب العلم، لأن هذه الظاهرة أنتجت إنسانا مختزلا في العلم الشرعي، بحيث يتصور فيه بعض المعارف الشرعية مع عدم ظهور أثر العلم على السلوك، مع ما يظهر من أوجه الخلل العلمي بسبب الاختزال المعرفي
بل ثمة من يقطع شوطا كبيرا في التعلم حتى يصل إلى الدراسات العليا في المجالات الفكرية، ويقارع بعضهم الفكر الغربي وفلسفاته ورموزه، ثم يقع في بعض الأخطاء الخطيرة، خاصة في فهم التمايز بين العقيدة الإسلامية وبين الفلسفات الفكرية، وهو الأمر الذي يتطلب دراسة المعتقد الصحيح بالتفصيل، فتجد بعضهم يكر على بعض أصول الفكر الغربي بشكل مبهر، ثم يتحدث ببساطة عن نقد بعض المفاهيم الفلسفية الغربية، ويهون الفرق بينها وبين مبادئ الإسلام، ويقع في خلط يهمل به بعض التقريرات العقدية والأحكام الشرعية المهمة
وهذا يبرز بصورة خاصة في بعض من يعيشون في الغرب، ولا أتحدث هنا عمن يذيبون تمايز المبادئ الإسلامية عن المبادئ الغربية بالكلية، بل أتحدث عمن يعي خطأ ذلك لكنهم يختزلون التمايز في صور معينة قد تكون من قبيل مخالفة الفطرة الصارخة مثل الشذوذ الجنسي، أو من قبيل الأصول الكبرى الفلسفة الغربية مثل مبدأ الحرية الليبرالي، ثم يهملون فروع ذلك من صور التمايز التي تعرف بتقريرات العقيدة والفقه، في مجالات هامة مثل مرجعية الشريعة الحاكمة وموقف المسلم من المرجعيات الأخرى، والولاء والبراء وأحكام أهل الذمة ومن في حكمهم، وغير ذلك مما يتصل بما يعرف بالإدماج للمسلمين في المجتمعات الغربية وقبول قيم الغرب
ولعل مرجع الخلل عند كثير من هؤلاء هو في الاكتفاء بما يشبه الثقافة العامة في التأصيل الشرعي المتعلق بهذه المسائل، فيَعرِف أحدهم مثلا قاعدة عدم الإكراه في الدين، لكنه لا يُحكم مجالها وضوابطها، فيطلق القول بإباحة أشياء للكفار الذي يعيشون تحت حكم المسلمين لم يقل بها أحد من أهل الملة بإطلاق بل قيدوها مثلا بعدم إظهارها بين المسلمين.
ويأتي بعضهم إلى ما يعرف بفقه الواقع ومراعاة اختلاف الأحوال فيأخذه بلافتته العامة، ثم يصور ظروف المجتمع الغربي كأنها حاكمة بإطلاق ويجب مراعاتها في كل حال، وكأن أحكام الشرع في مرتبة واحدة يصح أن يترخص في كلها، بل ربما استعمل عبارات أشنع بدلا من الترخص، مثل عبارات عدم مناسبة الفتاوى لواقع المجتمع الغربي، والحديث هنا عن إطلاق ذلك وكأن كل فتوى يمكن أن تتأثر بذلك
ولا شك أن الإسلام لم يأت بإهمال تأثير اختلاف الواقع وخصوصياته بإطلاق، ولكنه أيضا لم يعتبرها معيارا بإطلاق، ولذلك شرع الهجرة وأمر بالصبر على الحق والتواصي عليه، فالأمر يحتاج لانضباط في مراعاة أثر ضغط الواقع الذي يستوجب بعض المرونة في أمور دون أمور، ومرجع ذلك لنوع المسائل وحال السائل، لا إلى أحدهما فحسب بحيث يحكم على الآخر بإطلاق في كل مسألة
وبعض هؤلاء – نفع الله بهم وبصرهم بالصواب – يتابعهم الشباب بحماس شديد لما يرون من قدراتهم الجدلية وانتصاراتهم على التيار الإلحادي، وبعض هؤلاء المتابعين لا يروق له إلا جو الإثارة والردود المفحمة، ولا يصبر على البناء المعرفي أيا كان، فينهمك في متابعة الردود أو المناظرات، وبعضهم يشعر مع ذلك بطمأنينة لقوة الإسلام، ثم قد يسمع شبهة ولا يقتنع بردها، فيتحير ويتوه طويلا في ظل عدم وجود منهجية صحيحة ولا معرفة بالمصادر ولا تصور شمولي للبناء المعرفي الشرعي
ويتعدى بعضهم هذه المرحلة إلى مرحلة المحاكاة، فيدخل في نقاشات دون نضج علمي، وربما حاول التعلم بالتركيز على العلوم الإنسانية وقراءة الردود الفكرية، ثم يأخذ في التصدر فيأتي بما لا يحمد، خاصة أن كثيرا من الشباب لا يتحمس للتعلم الشرعي الشمولي، ويريد البقاء في مجال الرد المثير للحماس
ومشكلة هذا الحماس أنه قد يعمي عن قبول النصح، فتجد أن الشاب إذا نصح يقولب الناصح في قوالب تحول دونه ودون استماع نصحه، فهو تلقائيا يصنفه بأنه لا يفقه الواقع ولا يعرف العلوم الإنسانية أو لا يهتم بالرد على شبهات خصوم الإسلام، وهذه الأمور قد تكون موجودة بدرجات متفاوتة في بعض الناصحين، وقد تكون أوهاما، ولكن هي على كل حال لا تمنع سماع النصح وقبوله
وأيضا بعض ما يصنف ضمن فقه الواقع أو العلوم المساندة لتصوره أو تصور مذاهب الخصوم ونقض فلسفاتهم، هي أمور يمكن أن يعلم أصول الانحراف فيها مع التوسع في معرفة الرؤية الإسلامية الصحيحة، وكثير من التوسع الفكري المعاصر يقوم بعكس الأمر، ويتوسع في عرض تلك العلوم والمذاهب بما لا حاجة له أصلا، ولا يتعلق بواقع الشريحة الكبرى من المتأثرين بالانحرافات الفكرية، بل يدخل ضمن الترف الفكري في بعض الأحيان، أو يكون شأنا تخصصيا يناسب أن يدخل فيه بعض المتخصصين ويكفوا فيه غيرهم
وقد درست في بعض البرامج المهتمة بالتحصين الفكري ورد الشبهات، ومارست مئات الحوارات مع الشباب المتأثرين بالموجة التشكيكية، فوجدت تجريبيا أن بعض مقررات هذه البرامج متضخمة في هذه الجوانب ولا يحتاج إليها عند الحوارات بهذه الصورة، وقد تغني أحيانا صفحة واحدة عن أضعافها من الصفحات في مواضيع معينة، خاصة ما يكون من باب تصوير الفلسفات المخالفة وبيان موقف الإسلام منها، فالواجب أن يشرح فيها الموقف الإسلامي بطريقة بنائية تراعي بيان أسس نقض موقف الخصوم بإجمال مناسب، ويكفي هذا في معظم الأحوال!
والحاصل أن ظاهرة الاهتمام بما يعرف بالفكر تحتاج لوقفات، وأظن أن جزءا كبيرا من مسؤولية التصحيح تقع على عاتق من ينشطون في هذا المجال ويجذبون الشباب إليه، وقد يكون الأمر في حق بعضهم مستوفيا شروطه غير مخل بالأولويات، لكن المنجذبين يدخلون في هذا الجو دون وعي بتلك الشروط ودون مراعاة للأولويات، فمن سيأخذ بأيديهم؟
نعم لقد جاءت هذه الموجة الفكرية الشرعية في وقت حرج وأسهمت في كسر كثير من موجات الانحراف الفكري واحتوت كثيرا من الشباب التائه، وليس من العدل أن ينكر الإنسان ذلك أو يقلل منه، لكن ذلك لا يلغي ملاحظة الانحرافات أو القصور أو السلبيات للتوعية بها، ولا يلغي وجوب معرفة نوع الاشتغال العلمي هل هو من باب المقاصد أو الوسائل، وما منزلته عموما؟ وما منزلته بالنسبة لسياقات خاصة؟ فمثل هذا لا غنى عنه لتحقيق التوازن ومراعاة الأولويات، والتواصي به داخل في صميم التواصي بالحق
والله أعلم، نسأله تعالى الهدى والتوفيق لكل خير
أحدث التعليقات