إضاءة منهجية (21): العلم الذي لا يكفي !

يعتمد كثير من الناس على غرور يسمونه عقلا وبمعطيات علمية متواضعة ومتناثرة وغير مؤسسة على منهج، فيضلون بعيدا عن الحق في جهلهم المركب.. وهذا يؤكد أهمية العلم، ولكن ثمة من يضل على علم أيضا، فقد قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ..}[1]، وقال: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا..}[2].

 
لا أقلل هنا من دور العلم العظيم، لأن كثيرا من الانحرافات بالفعل تكون على جهل، لكن ما أريد إبرازه في هذه الإضاءة هي أن الاعتماد على المعالجة العلمية فقط ليست سبيلا مضمونا إلى الاهتداء، وأن الهداية بل والعلم النافع نفسه نور يهدي الله إليه من اتبع رضوانه، كما قال تعالى:{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[3].

وحين ندرك دور الشيطان في الإضلال سندرك أن القرب من الله يقي من هذا الضلال، ويخنس عدو الله الشيطاني {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}[4]، ولا يكون له سلطان على العبد كما قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}[5]، وكلما كانت العبودية أكمل كان العبد أبعد عن تأثير الشيطان وأوليائه الذين {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}[6]، {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}[7]، فتأمل حجم هذا الدور، لتدرك أهمية الحماية الربانية ودورها في هداية الإنسان.

– إذًا حين يشكو أحد من الشبهات فإنه بحاجة لعلاج إيماني مع العلاج العلمي، وليبشر حينئذ بالفرقان كما قال الرحمن:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا..}[8] الآية.
أما أن يعطي المعالج الشاكي أو يخذ الشاكي من المعالج بالمعالجات العلمية وحدها، فقد لا يفيده جزء العلاج، بل قد يضل على علم ويتبع هواه وتعمى بصيرته لفقدان النور الذي يبصر به الحق..

 

ولما كان باب البصر من أعظم أسباب الافتتان بالشهوات بعصرنا، أختم هذه الإضاءة ببيان ابن القيم لعلاقة غض البصر بالاهتداء في كلامه عن فوائد غض البصر.
يقول رحمه الله:
الخامسة: أنه يكسب القلب نورا، كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر، فقال: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}[9]، ثم قال إثر ذلك : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ}[10]، أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه، وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان، فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى وإعراض عن أسباب السعادة واشتغال بأسباب الشقاوة، فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا فقد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام .

السادسة: أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل والصادق والكاذب، … والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته، عوضة عن حبسه بصره لله، ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة، التي إنما تنال ببصيرة القلب، وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة فقال تعالى : {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}[11]“.

 ———————-

[1]الجاثية: 23.
[2]الأعراف: 175.
[3]المائدة: 16.
[4]الناس:4، 5.
[5]الحجر: 42.
[6]الأنعام: 112.
[7]الأنعام: 121.
[8]الأنفال:29.
[9]النور: 30.
[10]النور: 35.
[11]الحجر: 72.