سؤال : كيف أدفع اليأس بسبب تأخر إجابة الدعاء ؟
السؤال:
أنا فتاة ملتزمة بديني ، من رمضان الفائت وأنا أدعي ربي بأمور معينة وألح في الدعاء وأطيل السجود وأبكي وأكثر من الدعاء. وبعد انتهاء رمضان استمريت بالدعاء بها، وجاء الحج وحجيت ودعيت وأنا واقفة بعرفة واستمريت بالدعاء إلى رمضان هذا, وإلى الآن ما تحقق منها أي شيء
الأسبوع هذا أصبحت أطالع حالي وأتأمل واستوعبت أن حالي الآن نفسه بالضبط قبل سنة، ما تغير أي شيء، فأصابني يأس شديد جدا وشعور بالجرح والخذلان، وصار عندي برود تجاه الطاعة..
سمعت وقرأت كثيرًا من يقول أنه دعى بإلحاح في رمضان وما أتى رمضان المقبل إلا ودعاؤه استجيب. أيضا قرأت أثر عن التابعين يُقسمون أنهم ما دعوا دعوة في عرفة إلا وتحققت
الإجابة :
ابتداءً أسأل الله العظيم أن يفتح عليك وييسر أمورك ويثبتك على الحق ويزيدك من فضله
قد يكون ما تمرين به نوع من الفتور، والفتور أمر طبيعي وقد قال صلى الله عليه وسلم بما معناه (لكل إيمان فترة)، والمهم أن يكون الفتور في المستحبات وليس في الواجبات
وإذا كان الأمر فتورا كما أظن فما تشعرين به من إحباط هو من الشيطان، فهو يريد أن يحول المشكلة من مشكلة فتور عادية إلى وسوسة حول الإيمان والثقة بعدل الله ووعده ونحو ذلك
وعلى كل حال هناك عدة أمور ينبغي استحضارها:
أولا ما ثبت بالسنة من أن الدعاء يجاب بتحقيق المطلوب أو بدفع شر أو بثواب مؤجل في الآخرة، فلذلك يوقن العبد أن دعاءه لم يذهب سدى، وأنه إن واصل منتظرا الفرج محسنا الظن بالله، استفاد في عالم الغيب ما لا يعلمه إلا الله، مع ما يرجى له من تحقيق مطالبه ولو بعد حين إن كانت خيرا له
ثانيا الدعاء من أعظم العبادات، بل قد جاء في الحديث أن الدعاء هو العبادة، مما يفيد تعظيم قدره، وما يكون في العبد من انكسار القلب حال الدعاء مع رجاء الفرج وحسن الظن بالله ومجاهدة تيئيس الشيطان للعبد هو من أعظم الأحوال التي تحقق العبودية، وترتقي بالعبد في درجاتها.. ومن هنا تعلمون أن القول بأن الحال كما هو من سنة هو في قاصر النظر، وأما في حقيقة الحال فلعل درجة العبد في ارتفاع لا يخطر له ببال، وكذلك قربه من ربه ومحبته له، وربما دفع الله عنه من الشرور ما لا قبل له به، وربما كتب له في الآخرة ما تقر به عينه، بل ربما لو علم ما يؤخر له زهد فيما يتعجل، وقد جاء في الحديث أن أقواما يودون يوم القيامة أن لو قرضوا بالمقاريض لما يرون من عظم أجر البلاء، وهذا في البلاء مع الصبر، فكيف إذا انضم له الدعاء المستمر بالإلحاح الذي يحبه الله
ولابد أن نوسع مفهوم الفرج فهو ليس بالضرورة ما نطلب بعينه، فقد يأتي بطريق آخر، واختيار الله خير من اختيارنا لأنفسنا
ثالثا الدنيا دار ابتلاء، ولابد لذلك أن يقع فيها ما يكره العبد أحيانا أو يفوت ما يحب أحيانا، ومن تأمل أحوال الأنبياء والصالحين وجد أنهم أشد الناس بلاء كما جاءت بذلك السنة، ومن هنا نعلم أن النظر للدعاء على أنه لابد أن يتحقق في وقت يريده العبد وإلا شعر بأنه لم يستفد نظر قاصر، فالأنبياء كانوا يدعون وربما جرى عليهم وعلى اتباعهم بلاء عظيم لفترة ثم يرفعه الله بالدعاء، وتعلمون مكث الصحابة في البلاء بمكة مدة طويلة، ولا شك أنهم كانوا يدعون وقتها، ورأوا الاستجابة العظيمة بحسب ما طلبوا بعد سنين طويلة في بدر وما بعدها، وكذلك يعقوب عليه السلام الذي حزن على ابنه وشكى لربه، ثم كانت الإجابة بعد سنين من البلاء
والبلاء يقرب الإنسان من الله ويربيه تربية عظيمة، فاستمري وغيظي الشيطان بثباتك واستمرارك على الدعاء
وربما فتح الله على العبد مع استمراره في الدعاء أنسا وراحة في قلبه وشعورا بمعية الله وولايته إلى درجة أن البلاء يخف عليه وهو لم يتغير في الواقع، بل ربما قال في لحظة أنس بالله أن هذا الأنس به سبحانه أهم ما أعطاني الله وهو خيرا مما كنت أرجوه بدعائي
رابعا أن على العبد أن يعلم أن في قضاء الله محكم ومتشابه من جهة ما يبدو له من الحكمة، فالمحكم هو الذي يرى فيه الحكمة ظاهرة جلية، والمتشابه يتحير فيه في الحكمة، ومن المعلوم أن الله تعالى يجيب الدعاء كما جاءت بذلك النصوص وتواتر ذلك عن ما لا يحصى من الخلق تواترا قطعيا، فإذا وقع للعبد تحير في دعوات رفعها ولم ير بحسب نظره القاصر أثرها، فإنه يردها للمحكم ويسلم بذلك قلبه من أن يكون مرتعا لوساوس الشيطان التي يبغي بها تيئيسه وحرمانه من حسن الظن بربه وانتظار فرجه وغير ذلك من العبادات، فضلا عن أن يجره لسوء الظن أو عدم الرضا بالرب والشعور بالسخظ والعياذ بالله، وغير ذلك مما قد يحول المشكلة عنده إلى مشكلة عقدية وشكوك تهدم ما بناه سابقا بصبره وتضرعه لله، وما أفرح الشيطان بهذا
خامسا ليكن الدعاء إذا مجالا لمراغمة الشيطان وتحقيق العبودية، وليضع العبد نصب عينيه قوله صلى الله عليه وسلم (يستجاب لأحدكم مالم يعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي)، وليشتغل باللجوء لله والقرب منه، ولعله يجد بذلك حلاوة في قلبه من القرب من الله ما يكون له خيرا مما يطلب، حتى يكون لسان حاله
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب
ومع ذلك فربنا كريم، ونرجوا منه أن يجمع لنا بين ذلك وبين الفرج
والله أسأل أن يحقق مطلوبكم ويسبغ رحماته على قلوبنا وقلوبكم، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على نبينا محمد
أحدث التعليقات