إضاءة منهجية (33): المعرفة والعلاقة الأهم
كثير من إشكالات الفكر تحركها اختلالات في معرفة الإنسان بربه وعلاقته به سبحانه، فهذه الاختلالات تتعلق بأساس الدين وهو الإيمان بالله تعالى، وأشرف وأهم المعارف وهي معرفة الله سبحانه، وأعظم العلاقات وأهمها – بلا مبالغة – لصلاح أحوال الدنيا والآخرة.
ولأجل هذا كان القرآن مليئا بتعريف العباد بربهم بما يزيد في معرفتهم بأسمائه الحسنى وصفات كماله، ويزيد محبتهم وتعظيمهم له، ورجائهم وخوفهم، وحسن ظنهم به والشوق إليه، وبذلك تقوم علاقة العبد بربه، فينشرح صدره بالإسلام له والرضا به ربا، وهذا أصل استقرار النفس وراحتها وطمأنينتها وسعادتها.
– وقد تأملت أحوال كثير ممن يعانون من الوساوس أو الشبهات فوجدت أنهم قد اضطربت تصوراتهم عن الله تعالى، واختلت علاقتهم به، وربما لاح في كلماتهم عدم الرضا عن قضائه والضيق بأحكامه، مما يظهر أهمية الحديث عن هذا الموضوع وتصحيح التصورات فيه، مع الحث على بذل الجهد من صاحب الإشكال في مجاهدة النفس على الرضا والتسليم والاتصاف بعبودية الاختيار، والترقي في مدارجها
ومن الصعب في هذه المقام تفصيل الكلام حول التصحيح في هذا الموضوع الخطير، ولكن يمكن أن اذكر بعض المحاور المهمة، فمن ذلك:
- أولًا:معرفة الله بأسمائه وصفاته، فبها تنمو في القلب شجرة العبودية، محبة وتعظيما وخوفا ورجاء، وبها يتعرف العبد على ربه بكماله وعدله وحكمته ورحمته، فتنجلي عنه الوساوس والظنون السيئة..
وأعظم مصدر لتحصيل هذه المعرفة بطريقة مستقيمة سليمة من الاختزال هو القرآن، وليتأمل العبد سورة الفاتحة على وجه الخصوص، ويمكن الإفادة من هذه الوقفات مع سورة الفاتحة .
- ثانيًا:الإقبال على الله تعالى بالمحبة والتعظيم والتوكل وغيرها من مقامات العبادة، بحيث تقوى الصلة به ويزداد القرب.
- ثالثًا:استحضار عظمة حكمة الله، وأنها أعظم من أن يحاط بها، فالله تعالى يقول:{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}[1]،وهذا يعين العبد على الثبات على الرضا والصبر، وإن أصيب بما يكره، وخاصة عندما لا يحصل مطلوبه – في الظاهر- بالدعاء، فإنه يوقن أن ذلك كله لحكمة، وكذلك يعينه على التسليم لأحكام الله تعالى والرضا بها.
- رابعًا:استحضار طبيعة الحياة الدنيا وأنها قصيرة وهي دار ابتلاء، مع استحضار طبيعة الآخرة وأن حياتها أبدية وهي دار جزاء، وبهذا يطمئن قلبه وتعتدل نظرته للمصائب والأفراح، فلا يجزع ولا يغتر.
ويمكن الاستفادة في هذا من هذه المواد:
مادة (1)
مادة (2)
- خامسًا:فهم غاية وجود العبد في الحياة والحرص على تحقيقها، وهذا يرتبط بالمحور السابق، ولكنه أوسع، إذ يرتبط بتحقيق العبودية بما فيها من إسلام النفس لله وطاعته خضوعا وتعظيما ومحبة وإجلالا، مع الحذر من عكس ذلك، وهي خصال إبليس التي برزت في المعصية الإبليسية، حين أبى واستكبر، واستنكر حكم الله، فقامت معصيته على الحسد والكبر عندما قارن نفسه بآدم واستحقر مادة خلقه، فعارض أمر الله برأيه استكبارا، وذلك عكس العبودية التي تتضمن الطاعة والتسليم ، فكان منه ذلك الكفر الذي أودى به للأبد، والعياذ بالله منه ومن حزبه ومصيره.
————
والخلاصةأن العبد إذا أصلح من معرفته وتفكيره في هذه الخمسة مع العمل بما فيها من علم وإصلاح للقلب، فإنه يحقق الرضا بالله وحسن العلاقة به، ويكون السخط وسوء الظن بالله أبعد ما يكون منه، وهذا يغلق عليه أبوابا من الشرور العظيمة، ويفتح عليه أبواب الخير والرضا والفلاح.
[1]البقرة: 255.
أحدث التعليقات