إضاءة منهجية (37): الأدلة والمزاج!
لنفكر ابتداء بهذا المثال :
المستدل: الدليل على أن المتهم لم يرتكب الجريمة هو أنه كان في بلد آخر في وقت وقوعها.
المناقش: لماذا يدل ذلك على أنه لم يرتكبها؟!
هذا الرد يعتبر مكابرة، ولا يلزم المستدل هنا أن يقدم جوابا عليه، فالعقل يستطيع أن يدرك أنه يلزم من عدم التواجد في مسرح الجريمة عدم ارتكابها.
بينما لو كان الاستدلال هو بكون الجريمة وقعت في وقت متأخر من الليل، فهنا يمكن المناقش أن يعترض ويطلب من المستدل أن يثبت التلازم بين تأخر الوقت وبين براءة المتهم، والفرق هو أن العقل يدرك التلازم الضروري أو عدم ضرورية التلازم، وبناء عليه يستطيع التفريق بين الدليل الصحيح وغيره.
يتكرر في النقاشات حول أدلة الإيمان أو أدلة القضايا الشرعية عموما التشرط ممن يطلب الأدلة، فبدلا من اعتبار حقيقة الدليل واتباعه بمجرد تحقق تلازم المستدل به بالمستدل عليه، يطلب الطرف الآخر أدلة تلبي رغبات معينة عنده، أو تنتمي لنوع معين من الأدلة كالأدلة التجريبية، وهذا التشرط هروب، لأن التلازم إذا ظهر تحققت دلالة الدليل ووجب اتباعه إذا كان الهدف هو معرفة الحق، ولا معنى للتشرط بعد ذلك.
وغالبا تدور رغبات أولئك المتشرطين حول نفي الفرق بين إيمان الاضطرار وإيمان الاختيار، أو بعبارة أخرى تدور حول نفي الابتلاء الذي يفرق بين الصادق المخلص الذي يقف من الحق موقف التسليم، وبين المكابر ومتبع الهوى ومن يريد أن يكون هو المركز الذي تدور الأشياء حول رغباته وأهوائه، وإذا لم يأت الأمر على مزاجه قام يسخف من الأدلة الصحيحة ويرميها بعدم الوضوح وأن بعض الناس قد يختلفون حولها، مع أنه لا يوجد أي رابط بين صحة الدليل وبين التسليم له، فالامتناع من التسليم قد يرجع لعوامل غير موضوعية وتحيزات وأهواء.
والواقع أن هذه القضية تناولها القرآن كثيرا، وبعض العلماء يسمي طلبات المتشرطين آيات الاقتراح، وذلك بمواضع متكررة في القرآن نجد المشركين فيها يطلبون أنواعا معينة من الأدلة مع أن الدلالة قائمة بغيرها مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن كأن القضية عندهم طعام يريدون إشباع رغباتهم وأذواقهم فيه، وليس حق يخضعون له ورب يطلبون رضاه ويتبعون أمره ويخبتون له قانتين.
ومن إستقراء هذه المواضع القرآنية والوقوف على هداياتها، يمكننا القول أن تلبية رغبات هؤلاء ليست هدفا شرعيا! فالقصد شرعا من الآيات هداية من يخلص في طلب الحق ويتواضع له، كما قال تعالى {هدى للمتقين}، وقال {سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى}، وغير ذلك كثير في القرآن.
وقد تأملت في حال القرآن مع المكذبين، فوجدت أنه مع ما فيه من تلطف في الخطاب ودعوة رحيمة للخير، إلا أنه لا ينزل للمكذب بما يشبه التذلل أو التنازل، بل تشعر فيه عظمة الرب وغناه عن خلقه، ويصور بكل حزم أغراض هؤلاء المكذبين ويفضح فساد بواطنهم ويحدد دوافعهم ودورانهم في كبر حول أهوائهم
ومن القضايا المهمة لفهم هذا الموضوع، قضية الابتلاء، فرغم ظهور الحق وقوة براهينه إلا أن الله تعالى جعل في النفس البشرية مجالا للاختيار، وجعل فيها قابلية الضلال إذا اختارت الكبر والإعراض، فحينها رغم وضوح الأدلة في ذاتها فإن الضلال يمكن أن يحصل للمتكبرين ومن يتبعون أهوائهم، وبذلك يتحقق الفرقان بين الصادقين في طلب الحق والمتكبرين، ولذلك لا ينفع إيمان المستكبر إذا نزل العذاب وغرغرت الروح، كما لم يقبل إيمان فرعون، كما قال تعالى : {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}
وأختم هنا بقصة شاب دخل في محنة الشك لأعوام، وتردت حالته النفسية واضطربت حياته، ثم كان منه أن صار يسدد ويتضرع بأن ينقذه الله تعالى! ولم يحصل له ما طلب لفترة حتى بلغ به الأمر أن تخلص من المعاصي ومسح آثارها وسد طرقها، ثم ما لبث أن جاءه الفرج ودخلت نفسه الطمأنينة ووجد برد اليقين وأبصر الآيات التي كان لا يبصرها واضحة بينة.
ولا أدري ماذا كان بينه وبين الله تلك الفترة ولا يعنيني أن أحلل سبب عدم إبصاره فيها فذلك أمر غيبي، ولكن الذي يعنيني وأنا أناقش غيره في نفس الوقت وفي سن مقارب لهذا الشاب، أني أتعجب من المفارقة بين حاليهما، وكيف يختلفان في قراءة الحجج وإبصار الآيات مع أن الذي يخاطبهما واحد وهو أنا، والطريق والأسلوب واحد تقريبا!
فالحاصل أن من المهم إدراك هذه القضية حول إبصار الأدلة وعلاقة ذلك بحال القلب تواضعا وإخلاصا أو ضد ذلك، وهذا يحل استشكال بعضهم حين يقيس قضايا الشرع على بعض القضايا الدنيوية، فيظن أن الوضوح في القضية الدينية لا بد أن يقابله تسليم من كل الناس كما يحصل في قضايا الدنيا، وهذا غلط، لأن القضية الدينية فيها ابتلاء تتصارع فيه نوازع الخير والشر ويمتحن فيه العبد، والمطلوب فيها الخضوع لله والتواضع له، وهذا لا يعني أن أدلة الشرع ليست واضحة في ذاتها، فهي لمن فحصها بتجرد كذلك، ولكن القلوب تمتحن فتهتدي أو تزيغ تبعا لتقواها، {ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}