ليسوا بقرآنيين !

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ : عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ”. (رواه أحمد)

منكرو حجية السنة ليسوا بقرآنيين, لأنهم جاحدون لما علم من القرآن بالضرورة من وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيمه والتأسي به والاقتداء والاتباع مع التسليم..

وليسوا بقرآنيين؛ لأنّ إنكارهم للسنة يلزم منه الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، الذي ثبت بالتواتر القطعي أنّه كان يأمر بتفاصيل أجملها القرآن فجحدوها..

وليسوا بقرآنيين؛ لأنّ إنكار السنّة يلزم منه الطعن في النبي وصحابته وكل الأمّة، فهم على نهج يخالف نهج منكري السنة تماماً, وهذا يلزم منه أحد أمرين:
–  إمّا أنّهم جحدوا مادلّ عليه القرآن وكتموا وحرفوا
– أو يلزم منه أنهم ضلوا عن فهمه، وهذا يلزم منه الطعن بوصفه أنّه مبين وهدى ونور وحكم، فما كان كذلك لا يُجتمع على عدم فهمه..

فمنكري السنّة يجعلون القرآن كتابا فارغا يملؤونه بما يشتهون, فإذا رُدّ عليهم استنادًا للّغة أنكروا عربيّته أو عربيّة من نزل عليهم، وإن حوكموا للتاريخ سفسطوا بإنكار ضروراته! فإن حوكموا للمجمع عليه من فهم السلف جوّزوا ضلال كلهم وعادوا للطعن ببيانه! فيصيروا بذلك لهدم كل منهجية ومعيارية في فهمه!

————–

فإن سألت منكر حجيّة السنة: ما ضابط الفهم إذًا؟ أم هي فوضى وتحكّمات؟

أجاب: تدبره..

فإن قلت: ما التدبر بدون لغة ولا تاريخ ولا إجماع سلف ولا أي معيار آخر إلا التخرّص المحض؛ لم يحر أحدهم جواباً سوى رميك بالشرك في فهم القرآن والعمل به! في حين يشرك هو هواه، إذ لا معيار عنده للتدبّر سوى ما عنّ في خاطره، وما استعمر بقلبه من قيم العصر ونظرياته الظنّية؛ فيجعلها شريكاً يتقوّل به على الله أعاجيب يأباها السياق واللغة! ثمّ يرمي غيره بالشرك! وهي دعوى باطلة يستحيل التخلّص منها، إذ لابد للفهم من خارج عن القرآن مما يوجد في عقل المتدبّر، وهذا الخارج إمّا أن يكون له معيارية مبرهنة تصون عن التقول بالهوى والتخرّص، أو لا يكون؛ فيكون عين إشراك الهوى والتخرّص..

——————-

فإن حوصر منكر حجيّة السنة بذلك كله ووجد أن أقواله تضطره للوازم تطعن بالقرآن نفسه، فإنّ الموقف الصحيح هو أن يعود لفحص أصوله، فيختبر دعوى الشركية في تحكيم النبي، فهي ناشئة عن توهّم أنّ ذلك التحكيم أمر مستقل عن تحكيم كتاب الله، وهذا غلط! فهذه الطاعة من طاعة الله (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وبإذنه (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)

ومن وجه آخر يلزم على فهمه: أن لا يقع تحكيم الكتاب أبدًا، لأنه لا يكون إلا باستعمال قواعد العقل واللغة وأحيانا العرف لفهمه وتنزيله على الواقعة, فيبقى لمنكر السنة دعوى الحصرية والكفاية، أي أن يحتج بأن القرآن حصرا تبيان لكل شيء وكاف في كل شيء, وجوابها كالجواب عن لزوم استعمال العقل واللغة: أنّ السنّة داخلة في حفظ القرآن؛ لأنها من بيانه وتبيانه الكافي، ولو كانت الحصرية تنافي ذلك للزم أن تنافي استعمال قواعد العقل واللغة في الفهم, فينتفي بيانه وحفظه من هذا الوجه 

بل إنّ دعوى اقتضاء الحصرية لنبذ السنة تسقط كل أقوال منكري السنة, فهي أقوال زائدة عن القرآن غير محفوظة مثله, فلا حجّية لها ولا بقاء، فمهما أجابوا على هذا الإيراد فهو جواب عليهم في ردّهم للسنة!

 نزيد في هذا المنشور بيان الرد على دعوى الحصرية والكفاية التي يتكأ عليها منكرو السنة, فأقول مستعينا بالله:

بوصف القرآن بأنه عربي ‏ردنا القرآن للعربية، فنعرف منها معان يتوقف على فهمها العمل بأحكامه، وردنا أيضا للعرف لتطبيق بعضها الآخر كمعرفة قدر النفقة، وكذلك ردنا للظن الغالب ‏وإعمال الميزان بتحقيق المساواة وضروب الاجتهاد عموما، فكل ذلك ردنا له القرآن ردا مجملا وجعله لنا أصلا.

‏والقصد أن توقف تمام الفهم على أمر خارج عن آيات القرآن لاينافي كونه تبيانا لكل شيء، بل إناطة الفهم بأمور خارجة تزيد البيان بتوسع الدلالات لتشمل كل زمان ومكان

‏وكذلك القول بأن استقلال السنة بأحكام ينافي تبيان القرآن ينقضه أن القرآن ردنا للرسول صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بطاعته واتباعه، فالعمل بالسنة عمل بالقرآن

‏وإنكار استقلال السنة بالأحكام قصر لدلالة القرآن، بل تتضمن نفي أصل كامل ردنا إليه القرآن، وقد ردنا لما هو دونه كاللغة والعرف والاجتهاد وغيره مما يتضمن استعمال الظنون الغالبة أحيانا

ومما يزيل الإشكال فهم مصطلح الاستقلال، لأن بعض المنحرفين استبشعوا هذا اللفظ ظنا بأنه يخرج تشريع السنة للأحكام عن تبعية القرآن، وذلك غير لازم، لأن التبعية متحققة بتنصيص القرآن على السنة كأصل لازم

‏ثم لو تأملنا كل حكم استقلت به السنة لأمكن رده لكلي عام من كليات التشريع، ولايلزم أن يكون ذلك اندراجا في عموم نص معين..

‏فالجمع بين المرأة وعمتها يمكن أن يندرج تحت قاعدة التشريع في تحريم قطع الرحم إذ هو وسيلة إليه، وهي قاعدة قرآنية قطعية، فالحكم ليس مستقلا ‏بإطلاق، ولكن يمكن أن يعتبر مستقلا بمعنى عدم اندراجه في نص قرآني خاص، وإن كان تابعا لكليات التشريع القرآني.

بل حتى ‏الأحكام التعبدية التي يصعب عقل معناها، تندرج تحت قاعدة كلية أيضا، وهي تحقيق العبودية لله والتسليم لحكمه، وهذه كلية التشريع ومقصده الأعظم

‏وقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه}، وغير ذلك من الآيات الآمرة بطاعته واتباعه وتحكيمه، تقضي بالطاعة له صلى الله عليه وسلم، دون أن يتوقف ذلك على قيد أو شرط، فوجب أن تعامل السنة كمصدر للأحكام