سؤال : هل يجب أن نرفض كل ما يتعارض مع النصوص الدينية؟
أرسل لي منشور يبدأ بسؤال نصه(هل يجب أن نرفض كل ما يتعارض مع النصوص الدينية؟ )، خلاصة مضمونه: ⇓
1/ قديما ذهب بعض المفكرين المسلمين إلى أنه في حال تعارُض النص مع العقل فإنه يجب تأويل النصّ وليس موقف العقل، مفسرا ذلك بأن نتائج العقل هي من الصلابة و الوضوح بحيث لا يُمكن تأويلها، بينما النص قابل للتأويل
2/مثل بفكرة أن الاستغفار ليس الحل لمشكلات الاقتصاد، ولأنها تصادمت مع النصوص فالأفضل هو إعادة فهم و تأويل الآيات إما بالمعنى التقليدي للتأويل أي من داخل الفكر الديني.
3/ لا يُمكن رفض شيء ثبت بالتجربة لأن هُناك نص يُفهم على أنه متعارض معه، لأن العقل و التجربة حُجج أقوى من النصوص.
4/ نحن نستخدم عقلنا و حواسنا من أجل أن نقيّم حُجية النص. بمعنى أننا حينما ننتقل من العقل و الحواس إلى الإيمان الديني ، فنحن ننتقل من الأكثر بداهة إلى الأقل بداهة، فعندما نتكلم في الدين فلا بد أن يكون تابعا للعقل.
———————————
هذه خلاصة مضامين المنشور، وتعليقا عليه اقول : المنشور يحتوي على العديد من الإشكالات والمغالطات:
أولاً: هو ينتقي من التراث رؤية كلامية معينة تجاه قضية التعارض المزعوم للنص مع العقل، وهي رؤية فيها إجمال معيب، وتم نقدها نقدا قويا في أطروحات ابن تيمية التفصيلية العميقة وغيره من الأئمة، وهذا الانتقاء والغض عن ما ينقض الفكرة ليس من الأمانة مع القراء.
ثانيا : قبل القفز إلى حل التعارض يجب أن نقف مع دعوى التعارض هذه، فحقيقة هو توهم للتعارض لا تحقق، فلا يمكن أن يتعارض النص الصحيح الصريح مع صحيح العقل، لأن التناقض مستحيل بين القطعيين، فالنص أيضا ثبتت حجيته بالعقل القطعي، إذا لابد من خلل في ذلك المعقول المعين أو في فهم المنقول المعين.
ثالثا : العقل ليس شيئا واحدا، بل هو يتعقل أشياء متنوعة بعضها صحيح وبعضها خاطئ، وقد تكون قطعية فعلا أو يتوهم قطعيتها ثم يتضح خطؤه، أو تكون ظنية أصلا لأنها لا تلزم قطعا من قطعيات العقل، أو بنيت على إستقراء ناقص كما في التجريبيات التي يتحدث عنها الكاتب وكأنها قطعية مطلقا!! أو يكون الأمر يرجع إلى الذوقيات وبعض القيم العامة القابلة للنسبية، أو الوهميات والنسبيات التي لا تصلح اصلا كمعايير، والمقال يحذف كل هذا ويتجاهله! ويطالب بتبعية الدين المطلقة للعقل وكأنه معصوم قاطع في كل أحكامه! ولو صح ذلك لما كان للرسالات معنى إذ غايتها تصحيح فساد العقول وردها للفطر والعقليات الصحيحة والحقائق التي يخبر عنها الرسل.
رابعا: المقال يغالط حين يحاول أن يعلى من منزلة العقل ويقلل من منزلة النص عن طريق رد وجود الله إلى العقل ، وذلك أنه يخلط بين الوجود الذهني والوجود الخارجي.. نعم وجود الله وصحة دينه هو مدرك بالعقل، لكن وجوده في الخارج وصحته في نفسه مستقل عن العقل، ونحن نؤمن بوجود ذهني ووجود خارجي مستقل.. فهذا مجرد تحايل لجعل النص تابعاً للعقل.. كما أن العقل نفسه إذا شهد بصحة النقل صار النقل بمنزلة العقل القطعي إذا كان صحيحا صريحا ، فليس التعارض المزعوم هنا بين عقل ونقل وحسب، وإنما بين عقل وعقل أيضا، فهل الكاتب يقدح في عقله!؟
والحاصل مما سبق أنه لا يمكن أن يتعارض نص صحيح مع عقل صحيح أبداً، ولا يوجود مثال صحيح عليه ، فهو بدأ بتصوير خاطئ لموقف العلماء وتصوير خاطئ لتعارض العقل والنقل المدعى.. فهذا التعارض المدعى هو أنواع وليس شيئاً واحداً، ويمكن الرجوع لكتاب ينبوع الغواية الفكرية في المزلق الخامس عن مشكلة العقل، لاستجلاء خلاصات جيدة في تفاصيل هذه القضية
خامسا: أما الإستغفار كمثال؛ فليس المقصود أن هذا الوعد يتحقق لكل من استغفر دون النظر لأسباب أو شروط أو موانع! وإنما من استغفر مع أخذه بالأسباب فتح الله عليه ويسر له.. والاستغفار له تأثير بنص القرآن، والنص واضح و صريح في ذلك ، وهذه القضية لا يمكن أن نختبرها تجريبياً كما نختبر الطبيعيات تماما، لأن طبيعة السنن الشرعية ليست كطبيعة السنن الكونية من كل وجه .. فالسنن الكونية طبيعتها أن السبب يرتبط بالمسبب مباشرة ولا يتخلف ذلك إلا اذا كان على وجه المعجزات مثلا .. أما السنن الشرعية فطبيعتها أنها تكون موقوفة على أسباب وشروط، وأيضا هي قد تكون على وجه الأغلبية وليس التلازم فيها قطعي و مستمر ومطرد ، وهذه الأغلبية مقصودة من جهة أن الله سبحانه قد يؤخر إجابة الدعاء والنصر ونحو ذلك لحكمة، وهذا مذكور في النصوص فلا يسمى تأويلاً، فقد يستغفر إنسان ولا ينفرج عنه الكرب إلا بعد سنوات، وذلك لأن من حكمة الله التأخير لما فيه من صلاح، أو يخبئ له أجرا عظيم للآخرة هو خير له.. فهكذا ينظر للوعد الذي في النصوص
وأيضا لا تنفك قضية الأخذ بالأسباب الشرعية عن الأسباب الكونية، والشرع هو الذي حث على ذلك، وإلا سمي ذلك تواكلاً لا توكلاً، ففرض الانفصام بين الأمرين وتصوير هذه الأسباب الشرعية وكأنها تتعارض وتسبب مشكلة هو تصوير مغلوط
إضاءة سابقة
أحدث التعليقات