إضاءة منهجية (18): النهاية المستحيلة !


يتعرض بعض الناس لإشكالات حول الدين، فيطلب إزالتها بالكلية، ثم يجد أن هناك غيرها، فيطلب كذلك إزالتها بالكلية، ثم يصاب بحالة من الإرهاق، وربما تهتز ثقته وتبدأ معه رحلة من القلق أو حتى الشك!

وفي نظري أن ثمة إشكالية منهجية لا ينتبه لها كثير من الناس، والانتباه لوجودها ومعرفة كيفية التعاطي معها يقطع سلسلة التدهور هذه.

إنها النهاية المستحيلة!أن يطلب الإنسان انعدام الإشكالات بجميع أنواعها بالكامل، والحصول على رد مباشر لكل إشكال وإلا شعر بوجود مشكلة حقيقية توجب الشك.

وهذا التفكير فيه خلل كبير يرجع لعدم القدرة على الفرز المنهجي لأنواع الإشكالات، ولو توفرت هذه القدرة لوجد الإنسان أن الإشكالات التي تثار على الإسلام كلها من النوع غير المؤثر والذي لا يثير إشكالا حقيقيا يستوجب الشك..

  • ولكي نوضح ذلك، لنعرض مفهوم الإشكال الحقيقي، ثم نعرض الإشكالات الزائفة:

– النوع الأول:الإشكال العقلي الحقيقي😐
وهو ما يرجع لقواعد العقل القطعية، كامتناع التناقض وضرورة السببية ونحو ذلك، وهذا الإشكال لا بد أنه زائل مجاب عليه إذا كان يثور حول حق، فالحق لا يتعارض مع ضرورات العقل تعارضا حقيقيا.

وهذا النوع من الإشكال غير متحقق بالنسبة للإسلام، لأن صحته ثبتت بأدلة قاطعة، واستحالة تحققه يعرف بمجرد معرفة أدلة الحق،كما قدمنا في إضاءة منهجية سابقة:

– النوع الثاني:إشكالات ترجع للجهل أو الهوى أو للمعايير غير الحقيقية:
ولنبين هذه الأصناف:
١/ من الإشكالات ما يمكن رجوعها للجهل وعدم امتلاك كل المعطيات العلمية اللازمة، وهذا يعني أن محل الإشكال قد لا يكون في ذات القضية بل يكون في الناظر فيها، وما دام علم الإنسان محدودا فيمكنه أن يستمر في الإشكال بلا نهاية إذا نظر من زاوية حل الإشكالات فقط.

 ٢/ من الإشكالات ما يمكن توليدها بالمغالطات، وبالتالي ما دام للحقيقة أعداء وللأعداء أهواء فسيستمر ذلك التوليد بلا نهاية.

 ٣/ من الإشكالات ما لا يرجع لقواعد العقل القطعية، بل يرجع لشعور وذوق أو خلفيات معرفية غير مثبتة بالقطع، وهذا النوع يكثر طرحه ويغلب، لأنه ليس من الصعب توظيف الذوق والشعور غير المنضبط أصلا في التهييج على حقيقة والتشويش عليها من خلال المغالطات المتنوعة، وليس من الصعب توظيف الانبهار وزيف الكثرة لتكريس مفاهيم معرفية غير مبرهنة في خلفية كثير من الناس عبر الإعلام وغيره، ولذا نجد أكثر الإشكالات من هذا النوع.

  • مثال:عقوبة الردة واستشكالها على خلفية الحرية، فهنا حتى يكون لدينا إشكال حقيقي لا بد من إثبات أن الحرية قيمة عليا مطلقة لا تتقيد بحق الله ﷻ، وهذا الإثبات مستحيل لأن من يخرج خارج إطار الدين والحكم الإلهي لن يجد أصلا مستندا لإثبات أي قيم مطلقة من هذا النوع، والعقل لا يقضي بالقطع بإطلاق هذه القيمة وعدم تقييدها، بل يقضي بضرورة تقييدها من حيث المبدأ، وكل البشرية تعمل في مجتمعاتها بهذا، ثم تختلف في قدر التقييد بلا مستند قاطع، ما لم ترجع لمستند الدين لأنه الحق العالي على النسبيات، وهو الذي يفصل هذه النزاعات التفصيلية على أساس الخضوع لخالق هذا الكون، الذي هو الحق سبحانه وحكمه الحق المطلق.


وهذا النوع من الإشكالات لا يحتاج أصلا لإزالة بالكلية وتتبع استقصائي لأفراده كما يفعل بعض الحائرين، لأمر بسيط، وهو أنه لا يرجع لمعيار منضبط متماسك يمكن أن يبني عليه حكم بالتناقض والاستحالة العقلية، فغاية ما فيه هو الشعور بالحيرة والاستشكال، وهذا الشعور يزول بوضوح الرؤية في ناحية المعايير، بحيث يتميز للإنسان ما هو منطلقه في الاسشكال، وهل هذا المنطلق معيار صحيح مطلق فعلا أو لا، وبمجرد اتضاح الرؤية وفهم الإنسان للمنطلقات ومعرفته بحقيقتها سيدرك أن ما يشوش عليه منها أمور غير معيارية ولا تصلح للبناء عليها في معرفة الصواب والخطأ.

 

راجع إضاءات سابقة في المعايير:
إضاءة 1
إضاءة 2

 

وبما سبق نعلم أن ركوننا للأدلة هو المسلك الصحيح، ولا عبرة بالإشكالات التي تثار مقابل الأدلة الصحيحة، لأنها إشكالات غير مؤثرة، ولا يلزم طلب زوالها بالكلية، وليس تتبع أفرادها منهجا عقليا صحيحا، بل هو نهاية مستحيلة!