إضاءة منهجية (32): أي بني!

للأسف كثير من الشباب لا ينتبه لهذا الجانب الذي نبهت عليه في هذا التسجيل الصوتي السابق [صوتية من قناة الطارق بعنوان: تعلم الرد على الشبهات وفخ فقدان التوازن]، وترى شغله الشاغل في الرد ثم الرد ثم الرد.

  • والمشكلة تتجاوز الاختلال المعرفي الذي وصفته في الصوتية إلى اختلال نفسي وربما إيماني وسلوكي، فذلك الشاب الذي يفني ساعاته يوميا بين حسابات المشككين، سيجد في نفسه تعبا من كثرة مخالطة الأنفاس المسمومة الخبيثة.

وبدلًا من مجالدة قرين واحد، فهو يجالد عشرات القرناء ممن قال تعالى فيهم{وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}[1]،وتأمل {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}.

  • سيجد الشاب في نفسه جوعا روحيا، لأن نصابه من تلاوة القرآن زاحمته قراءة الشبه والردود، ونصابه من تدبر القرآن زاحمه التفكير في المغالطات!

بعد ذلك لا غرابة في أن حسابه يصبح مليئا بالزفرات والغمغمات الغامضة، ليشابه في ذلك من يناقشهم من المتأثرين بالفلسفات العدمية، وكأنه يظن أن تفكيره ارتقى حتى صار يتعذب بعقله بين “البسطاء”! وما هو إلا عذاب الروح حين حاول مشاكلة المحرومين من نعيم الوحي وعلومه، لعله يفلت من وصمة النقص وتهمة البساطة، والتي يروجها هؤلاء لكل من لم يسلك سبيل حماقاتهم، حين اختزلوا مكونات النفس في شهوات وشبهات، وابتعدوا عن مصادر الهدى والبينات، التي تخاطب العقل وتسمو بالروح معا دون اختزال.

أي بني.. التفت لنفسك، وتوازن في سيرك بين إنقاذها وإنقاذ غيرك.
لتدرك بني أن الهداية ليست مجرد معلومات تصب في العقول، وأن الضلال ليس مجرد شبه تفنيها الردود، وأن من الناس من لا يهديهم الأنبياء، بل لو وردوا النار ثم ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وهؤلاء سبيل الأنبياء معهم البلاغ ثم الإعراض، والاشتغال بالصادقين في طلب الهداية، في توازن مع حق النفس والأهل وغيرها من الحقوق.

 ربما تستطيب نشوة إفحام ومراغمة المعاندين، ولكن صدقني لن يزن ذلك شيئا مقابل ما تخسره حين تقلب الوسيلة لغاية وتترك الغايات، فدونك طريق خلقت لتسلكه، وابتليت بالصوارف عنه، فإن لم تدرك أولوياتك ستضيع عن غاياتك، وحقيقة فرحتك وراحتك هي في الاشتغال بما خلقت له وتقديمه على غيره، وجعله الغاية التي تسلك لها الوسائل، فهي مرادك الحقيقي وغيرها يراد لها.

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[2].
————–
[1]الأنعام : 112.
[2]الفاتحة : 5، 6.