حاول بعضهم التشكيك في ارتباط قصة أصحاب الفيل بغزو الكعبة كما هو معلوم في الحادثة المشهورة، محتجا بنقش يؤرخ لغزو قام به أبرهة قبل تاريخ القصة بسنين، مع ما ذكره مؤرخ أعجمي عن تاريخ وفاة سابق لقصة الفيل

وزاد بعضهم بأن ربط القصة بغزو مكة جاء عند ابن إسحاق أولا ولم يذكر في حديث قبله!

الجواب من وجوه :

أولا: العلم بوقوع الحادثة حاصل بالتواتر، وهو من طرق العلم اليقيني، والقصة حصلت للجيل السابق للنبي صلى الله عليه وسلم (أقاربه) وأرخت بها ولادته، ولو كان فيها أدنى شك لما تبعه أحد أصلا، وكانت أولى بالتساؤل من قصة ذي القرنين مثلا.

ثانيا: ثبت في الصحيح في غير ما حديث ربط قصة الفيل بمكة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حبس عن مكة الفيل)، وقال : (حبسها حابس الفيل). ووقع إجماع المسلمين على أصل القصة، ولا يضر الجهل أو الخلاف ببعض التفاصيل، ولا يلزم منه الشك بأصل القصة، وهذا في كل حقائق التاريخ كما يعلم كل عاقل.

ثالثا: حصر الاستدلال على حقائق التاريخ في الآثار الحسية وترك الأخبار القطعية وأدلة العقل الواضحة هو من قبيل الاختزال في مصادر المعرفة، وهو خلل منهجي، فضلا عن أن غاية مضامين النقوش أنها أخبار يدخل عليها ما يدخل على الأخبار من احتمالات الوهم والغلط.

رابعا : لا يلزم من ما في النقش من ذكر غزوة نفي وقوع غيرها! ولا علاقة لتاريخ وفاة أبرهة بذلك، بل هو مأخوذ من مؤرخ يعارضه ما أخبر عنه العرب بالتواتر، و القطعي يقدم على الظني فضلا عن الظنون الضعيفة، وظنية تحديد تواريخ الوفاة أمر شائع ويدخله الغلط كثيرا.

خامسا: القرآن يخاطب العرب بهذه القصة وغيرها لأجل الاعتبار، وقد بدأت السورة بقوله تعالى {ألم تر}، وهذا يشعر بأن المخاطب يعلم بالقصة علما ظاهرا لشهرتها، ولو كان الأمر على غير ذلك لنفى أعداؤه الحريصون على تكذيبه القصة، خاصة مع اشتهار الخبر لارتباطه بالسورة وبملك معروف في زمن قريب.

سادسا: مع ثبوت الخبر يقينا فكل ما يتوهم أنه يعارضه هو من باب الإشكال الذي لا تتوقف الصحة على رفعه، فالعبرة بالأدلة والإشكالات تفهم في ضوئها، كقولهم لم لم تدون ذلك العرب، فالعرب أرخت به واشتهر فيها وأقرته، وكانت أمة حفظ وسماع، وقصائدها تدون أخبارها وقد حصل ذلك.

وكذلك كل استشكال للخبر عسكريا أو لوجستيا – كما يقال-، فعدم العلم بالتفاصيل المتعلقة بذلك وكيفياتها ليس علما بالعدم كما هو معلوم عقلا. (انظر : منشور سابق)

وأخيرا.. من المؤلم حقا أنا صرنا نحتاج لدفع الاستشكالات حتى عن المتواترات! وصار في المنتسبين للأمة من يقبل التشكيك في ما أجمع عليه علماء الأمة بل وعامتها، في مظهر دال على الجهل بقيمة علوم المسلمين وضعف الثقة بمصداقيتها، وهذا يجعل الإنسان هشا يقع ضحية لكل من يغالط.

ولو أننا فقط نستحضر حفظ الله لهذا الدين وما يتعلق به من علوم، و نستحضر أنه جعل هذه الأمة بمجموعها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فعصمها عن الاجتماع على ضلالة، لكان هذا كافيا بذاته في رد كل هذه المغالطات التي تثار ولو لم يطلع الإنسان على وجه غلطها تفصيلا، لأن عنده من الأصول الكلية ما يردها ويكشف تهافتها.
(انظر :منشور سابق)