إضاءة منهجية (3) : الإخلال المنهجي والمعرفي الذي يقع فيه بعض المنحرفين عن الإسلام

بسم الله

هذه الإضاءة ستتضمن مزيدا من تسليط الضوء على الإضاءتين السابقتين من خلال واقع الانحرافات الفكرية اليوم، وخصوصا الانحرافات الكبرى التي تصل للطعن في الإسلام والرسالات والله  عز وجل .

تحدثنا في الإضاءة الأولى عن ضرورة تصور الأساس الذي تحاكم له القضايا الكبرى بوضوح، وضرورة كونه قطعيا مبرهنا، وأشرنا في الإضاءة الثانية لأهمية العناية بالدليل والتركيز عليه، لأنه إذا ثبت وقطعنا بما يدل عليه، تبين أن كل ما يتوهم معارضته له ساقط، ولا بد من خلل أدى لتوهم حصول التعارض، وحين يسير الباحث عن الحق في ضوء الإضائتين تنحل له الإشكالات دون أن يتزعزع إيمانه، لأن توليد المغالطات والاستناد للجهل لا نهاية له، لكن هذه اللانهائية منتهية عند المسلم من البداية! لأن الاعتقاد المبرهن كافٍ في تيقن بطلان كل الشبه ولو لم يعرف المُعتقد كيفية ذلك تفصيلا.

وفي هذه الإضاءة الثالثة سأسلط الضوء على الإخلال المنهجي والمعرفي المؤسف الذي يقع فيه بعض المنحرفين عن الإسلام، وذلك حسب ما يتبين من مناقشتهم والاطلاع عن قرب على سير انحرافهم.

الواقع للأسف أن أصحاب الانحرافات الكبرى عن الإسلام لا يركزون بحثهم في أدلة صحة الإسلام -مفترضين أن ما لديهم من تصورات ومعلومات تشكلت من تربيتهم وتعلمهم السابق هي كل ما يلزمهم-، بل يركزون في ما يرد عليه من إشكالات، ثم إنك تجد أن الإشكال نفسه غير مبني على أساس منهجي! بل يتضمن أوجها من الخلل والتناقض المنهجي، ومن ذلك:

-١- أنهم يتناقضون فيحاكمون الإسلام بناء على مقدمة ضرورية لا يمكن الاستشكال على الإسلام بدونها، وهي إثبات الكمال لله، فينطلقون منها في استشكالاتهم ولا بد، لماذا ذلك؟ لأن كل شبهة أساسها أن الدين لا بد أن يكون كاملا، فكيف يكون كذا وكذا.. وضرورة الكمال هنا لأن الله ﷻ لا بد أن يتصف بالكمال.. لكن المنحرف يتناقض بشدة هنا، لأنه بجحده للدين الحق أو لله تعالى ينكر الكمال لله مع أنه هو واهب الكمال لخلقه وبدونه لا يفهم معناه وهو تعالى أولى به، أو ينكر لوازم الكمال مثل إرسال الرسل، فإن من لوازم كمال الله تعالى من جهة حكمته ورحمته بعباده ألا يتركهم هملا، بل يرسل لهم من يرشدهم ويجيب عن أهم تساؤلاتهم الوجودية.. فنجد أن المنحرف يتجه باستشكالاته الجزئية على أرضية الكمال إلى الجحد الكلي للكمال!

⇐ وليس المراد هنا أنه لا يمكن أن يستشكل الإنسان شيئا ويحاول فهمه إلا بالوقوع في التناقض، بل المراد تناقض من ينتقل من مرحلة محاولة الفهم مع يقينه بصحة الدين إلى مرحلة الطعن في الدين، وقد أوضحت في الإضاءة الثانية ما يتعلق منهجيا بذلك.

-٢- أنه يبني استشكالاته على تصوره الخاص غير المبرهن عن الكمال، ثم يحاكم له الإسلام، فيحاكم المبرهن إلى غير المبرهن.. يحاكمه مثلا إلى افتراضات غير مبرهنة مبنية على الثقافة السائدة في الغرب، دون أن يختبر تلك الثقافة، بل حتى دون أن يمتلك أسسا لاختبارها، لأنه بدون وجود الله وإرسال الرسل لا معيارية أصلا، بل نسبيات لا تنضبط، والعقول تتنازع ولا تقطع في مستوى التفصيلات الجزئية التي تورد عليها الاستشكالات، ولا بد من وحي ممن له كمال العلم والحكمة يفصل النزاع بينها.

-٣- أنه لا ينطلق من بناء سليم من تصورطرق المعرفة وتسلسل البحث، والتركيز على الأدلة أولًا ثم بحث الإشكالات، بل ينطلق من رؤية مختزلة للمعرفة، ثم يركز على الإشكالات ويبقى يدور في حلقتها، ويتكلف في إثباتها ولا يبحث بجدية عن الردود عليها، في سلوك يدل على تحيز هائل مشين، وعدم رغبة في ممارسة التفكير المنهجي النقدي والبحث الجاد.. وطبعا هذا له مظاهر أخرى مثل عدم القراءة الجادة وتضييع الوقت في التشغيب والاستهزاء والاختزالية (وتشمل هنا اختزال الدين في أشخاص غير معصومين أو طائفة غير معصومة، ثم تصوره في ضوء ذلك)، والغرق في المغالطات واستخدامها بكثافة لتوليد الشبه والإشكالات الزائفة.

 وبهذه الطريقة من الطبيعي أن لا يصل المنحرف لشيء ولا نصل معه لشيء، ولهذا فالموضوع يجب أن يبدأ من تصحيح النية والمنهجية، وامتلاك الصبر والجدية، وإلا فالفوضى والعبثية.

والله المستعان.