إضاءة منهجية (1): ضرورة تصور الأساس الذي تحاكم إليه القضايا الكبرى
الذي يريد أن يحاكم القضايا لشيء يعتبره أساسا يعرض القضايا عليه، فيخطئ ويبطل انطلاقا منه، عليه قبل ذلك أن يملك تصورا واضحا عن ذلك الشيء، ويكون عنده ثابتا بدليل قطعي، لا باستحسان عاطفي مجرد.
لنأخذ (الإنسانية) مثالًا، ينطلق بعضهم من هذا المفهوم وهو لا يعرف حقيقته ولا حدوده، بل يعرفه كعواطف غير منضبطة، ولا يستطيع أن يبرهن عليه وفق هذا التصور.. مع ذلك نجده لمجرد ذلك يحاكم القضايا الكبرى ويبني فيها ويهدم على أساسه الهش، فكيف يخرج هذا بنتائج مبرهنة سليمة يقطع بها، بل كيف يعارض ما ثبت بالأدلة بذلك !؟
ومع وضوح هذه المشكلة المنهجية في الإنسانية، إلا أنك تجد كثيرا من الناس بنى حزمة من الأحكام انطلاقا منها دون إدراك لذلك، بل دون تفكير في منطلقه أصلا، ثم يصف نفسه بالعقلانية!!
وفي الواقع أمثلة لذلك في الكتابات عن قضايا أثبتها الخبر الصادق عن الله ﷻ ورسوله ﷺ، فكثيرا ما تستشكل بعض الأخبار والأحكام في باب الجهاد والعقوبات ونحوها على ذلك الأساس الهش، وقد ينضم لذلك سوء التصور للجهل بأحكام الشرع وتصديق افتراءات خصومه عليه، فيحكم بأساس هش وصورة خاطئة أو مختزلة لا يرى فيها صفاء الشريعة وعمقها وشموليتها واتزانها ومقاصدها وجمالها.
❕ ثم العجيب أيضا أن المنطلقين من هلامية الإنسانية قد يكون لديهم رؤية مادية داروينية للوجود لا تتفق مع التصورات فوق المادية أصلا، وتقتضي عدم الوقوف عند مفهوم الإنسانية وتمييزه، وعدم التقيد به في سبيل بقاء الأصلح! لكنهم يتحولون فجأة لهذا الأساس لمحاولة التشويش المتكلف الهش على الإسلام، والإسلام وحده فقط! لأن كل طغيان وانتهاك من الآخرين عندهم متروك، بل لا ينافي أن يتخذ أصحابه ذوو العيون الزرق مُثُلا للإنسانية، في حين يكون النقد كله للمسلمين، بحجة أشياء جزئية لم يتفهموها في شريعتهم أو سيرة نبيهم ﷺ، تاركين كل ما فيها من البراهين والمحاسن!
والحاصل أن كل إنسان يقرر أن يخوض في أي قضية يحتاج للصدق والجدية مع نفسه أولًا، فيمحص ما يقف عليه ويتأكد من أنه أساس صالح للمحاكمة على أساسه، فإن صح أساسه فعليه الجد في تعلم ما يريد محاكمته من مصادره الأصلية وبنظرة شمولية لا اختزالية، وحينها سينقلب إليه النظر ويدرك أن ما ثبت بالأدلة الصحيحة لا يمكن أن يتعارض مع النظر الصحيح، وأن محاولة المعارضة عبث، وما صح بالبراهين فهو المنطلق والمرجع الذي يقابل بالتسليم.
أحدث التعليقات